دراسة سعودية تكشف 15 من سلالات المرجان غير المعروفة

في إنجاز علمي بارز يسلط الضوء على أسرار أعماق البحار، كشف علماء وباحثون في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) عن اكتشاف مذهل يغير نظرتنا للبيئة البحرية. فقد أثبتت دراسة حديثة أن أحد أشهر أنواع الشعاب المرجانية في العالم، والمعروف باسم المرجان الأنبوبي (Organ Pipe Coral)، ليس نوعاً واحداً كما ساد الاعتقاد لعقود طويلة، بل يضم في الواقع ما لا يقل عن 15 من سلالات المرجان الجينية المتميزة وغير المعروفة سابقاً.
السياق البيئي والتاريخي للشعاب في البحر الأحمر
لطالما شكلت الشعاب المرجانية، وخاصة في منطقة البحر الأحمر، محط أنظار العلماء والباحثين على مر التاريخ. تاريخياً، تُعد هذه الشعاب من أقدم النظم البيئية وأكثرها تنوعاً على وجه الأرض، حيث تطورت عبر ملايين السنين لتتكيف مع الظروف البيئية القاسية مثل ارتفاع درجات الحرارة والملوحة. المرجان الأنبوبي، بهيكله الأحمر الجذاب وشكله الفريد، كان يُعتقد أنه يمثل امتداداً جغرافياً واسعاً لنوع واحد يعيش في مختلف محيطات العالم.
ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف يعيد كتابة التاريخ التطوري لهذا الكائن. فالبحر الأحمر، الذي يُعتبر بيئة فريدة من نوعها ومختبراً طبيعياً لدراسة التكيف المناخي، يحتضن تنوعاً بيولوجياً لا مثيل له. وقد تبين من خلال الدراسة أن اثنتين من هذه السلالات المكتشفة حديثاً تستوطنان حصرياً في مياه البحر الأحمر، مما يعزز من مكانة هذه المنطقة كخزان حيوي بالغ الأهمية على مستوى العالم.
تقنيات جينومية حديثة تفك شفرة سلالات المرجان
نُشرت هذه الدراسة الرائدة في المجلة العلمية المرموقة (Molecular Phylogenetics and Evolution)، حيث اعتمد الفريق البحثي في “كاوست” على أسلوب علمي متقدم يُعرف بتحليل العناصر فائقة الحفظ (Ultraconserved Elements). هذه العناصر عبارة عن مقاطع من الحمض النووي تتطور ببطء شديد، مما يسمح باستخدامها كبصمات جينية دقيقة للغاية لتتبع التاريخ التطوري للكائنات.
وبينما كانت التقنيات التقليدية السابقة تعتمد على الشكل الظاهري وتصنف هذا المرجان كنوع واحد، كشف التحليل الجيني الحديث عن 15 سلالة تطورية متميزة ارتبط كثير منها بمناطق جغرافية محددة بدلاً من انتشارها عبر المحيطات بأكملها. وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة لورا ماكرينا، زميلة ما بعد الدكتوراه في كاوست وقائدة الدراسة، أن هذه الشعاب تبدو متشابهة جداً من حيث هيكلها التركيبي، مما جعل تنوعها الحقيقي مخفياً لفترة طويلة. وأضافت: “أما اليوم، فتتيح لنا الأدوات الجينومية التعمق بدرجة غير مسبوقة في تاريخها التطوري، وفهم كيفية ارتباط أنواع الشعاب المرجانية ببعضها – أو انعزالها – عبر المناطق المختلفة”.
التأثير المتوقع على جهود حماية البيئة البحرية
يحمل هذا الاكتشاف أهمية بالغة وتأثيراً واسع النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. على الصعيد المحلي، يتماشى هذا الإنجاز مع جهود المملكة العربية السعودية في حماية البيئة البحرية ضمن مبادرات رؤية 2030، لا سيما المشاريع السياحية والبيئية الكبرى مثل مشروع البحر الأحمر، الذي يضع الاستدامة والمحافظة على الشعاب المرجانية في صميم أولوياته. فمعرفة السلالات الدقيقة تساعد في وضع خطط حماية مخصصة وفعالة.
أما على الصعيد الدولي، فإن اكتشاف هذا العدد من السلالات يغير من استراتيجيات الحفظ العالمية. فقد أشارت البروفيسورة فرانشيسكا بنزوني، الأستاذة المشاركة في علوم البحار في كاوست، إلى أن هذا العمل يسلط الضوء على حجم التنوع الحيوي البحري الذي لا يزال بحاجة إلى توصيف علمي دقيق وموسع. وأكدت قائلة: “غالباً ما نفترض أن الكائنات المرجانية الأكثر شيوعاً قد أصبحت مفهومة بالكامل، لكن دراسات كهذه تؤكد أن أمامنا الكثير لاكتشافه. وقد تكون بعض هذه السلالات محصورة في نطاقات جغرافية محدودة نسبياً، ما يجعل توثيقها وحمايتها أكثر أهمية” في ظل التحديات البيئية العالمية مثل التغير المناخي وابيضاض المرجان.




