الجبل الجليدي A-23-A: نهاية أكبر جبل جليدي في العالم
بداية النهاية لعملاق القطب الجنوبي
تتجه أنظار العالم والعلماء نحو المحيط الجنوبي، حيث يخوض الجبل الجليدي “A-23-A”، الذي حمل لقب الأكبر في العالم لعقود، معركته الأخيرة مع الذوبان. وقد رصد القمر الاصطناعي الصيني المتطور “فنغيون-3 دي” صوراً عالية الدقة تكشف عن تسارع كبير في عملية تفككه، مؤذناً بقرب نهاية رحلة هذا العملاق التي استمرت لما يقرب من أربعة عقود.
وفقاً لبيانات هيئة الأرصاد الجوية الصينية، أظهرت الصور الملتقطة في 14 يناير أن الكتلة الرئيسية للجبل الجليدي قد تقلصت بشكل دراماتيكي إلى 506 كيلومترات مربعة فقط. هذا الرقم يمثل أقل من ثُمن مساحته الأصلية الهائلة التي بلغت 4170 كيلومتراً مربعاً عند انفصاله، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة مدينة نيويورك، مما يوضح حجم الخسارة الهائلة في كتلته الجليدية.
خلفية تاريخية: من الانفصال إلى الحركة
بدأت قصة الجبل الجليدي A-23-A في عام 1986، عندما انفصل عن جرف “فيلشنر-روني” الجليدي في القارة القطبية الجنوبية. لكنه لم يبدأ رحلته الطويلة على الفور؛ فبعد فترة وجيزة من انفصاله، ثبت في قاع بحر “ويديل”، ليظل عالقاً هناك لأكثر من ثلاثة عقود، أشبه بجزيرة جليدية ثابتة. وفي عام 2020، بدأ هذا العملاق بالتحرر من قبضته، وانطلق في رحلة بطيئة شمالاً، مدفوعاً بالتيارات المحيطية والرياح القوية.
وقد تسارعت حركته بشكل ملحوظ في أواخر عام 2023، حيث دخل ما يُعرف بـ “زقاق الجبال الجليدية”، وهو مسار شائع تتبعه الكتل الجليدية الضخمة نحو مياه المحيط الأطلسي الجنوبي الأكثر دفئاً، والتي تُعجّل من عملية ذوبانها وتفككها.
الأهمية والتأثير البيئي المتوقع
إن تفكك جبل جليدي بهذا الحجم ليس مجرد حدث بصري مذهل، بل له تداعيات بيئية وعلمية كبيرة. يخشى العلماء من أن استقراره بالقرب من جزيرة “جورجيا الجنوبية”، وهي ملاذ للحياة البرية، قد يعيق مسارات البحث عن الطعام لملايين الفقمات وطيور البطريق والطيور البحرية الأخرى.
على الجانب الآخر، يحمل ذوبان A-23-A جانباً إيجابياً للنظام البيئي البحري. فعندما يذوب، يطلق كميات هائلة من الغبار المعدني والمغذيات التي كانت محتجزة في الجليد منذ آلاف السنين. تعمل هذه المغذيات كسماد طبيعي للمحيط، مما يحفز ازدهار العوالق النباتية (الفيتوبلانكتون) التي تشكل أساس السلسلة الغذائية البحرية، وتلعب دوراً حيوياً في امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
وقد أشار الخبراء، مثل تشنغ تشاو جيون من المركز الوطني للأرصاد الجوية عبر الأقمار الاصطناعية، إلى أن عملية “التصدع الهيدروليكي” هي السبب الرئيسي وراء هذا الانهيار السريع. حيث تتجمع مياه الذوبان على سطحه، وتتسرب إلى الشقوق، مما يولد ضغطاً هائلاً يؤدي إلى توسيعها وتكسير الجليد من الداخل، بينما تعمل مياه المحيط الدافئة على تآكله من الأسفل. ومع استمرار هذه العمليات، من المرجح أن يختفي الجبل الجليدي A-23-A تماماً في الأسابيع القليلة المقبلة، ليطوي بذلك صفحة مهمة في تاريخ دراسة الجليديات في العالم.




