انسحاب أمريكا من الصحة العالمية: تداعيات خطيرة على الأمن الصحي
تداعيات الانسحاب الأمريكي على الصحة العالمية
أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، أن المبررات التي قدمتها واشنطن لتبرير انسحابها من المنظمة الأممية “غير صحيحة”، مشدداً على أن هذا القرار الخطير من شأنه أن يجعل “الولايات المتحدة والعالم أقل أماناً”. جاءت تصريحاته رداً على الإعلان الرسمي الذي يؤكد نية الولايات المتحدة الانسحاب، في خطوة أثارت قلقاً دولياً واسعاً بشأن مستقبل التعاون الصحي العالمي.
خلفية التوتر بين واشنطن والمنظمة
تعود جذور الأزمة إلى فترة تفشي جائحة كوفيد-19، حيث وجهت الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب انتقادات حادة للمنظمة، متهمة إياها بالانحياز للصين وبسوء إدارة الاستجابة الأولية للوباء. تصاعدت هذه الاتهامات لتصل إلى ذروتها في يوليو 2020، عندما أخطرت واشنطن الأمم المتحدة رسمياً بقرارها الانسحاب، وهي خطوة كانت ستدخل حيز التنفيذ بعد عام. إلا أن إدارة الرئيس جو بايدن سارعت إلى إلغاء هذا القرار فور توليها السلطة في يناير 2021، مؤكدة على أهمية الدور الأمريكي في قيادة الصحة العالمية. ورغم عودة الولايات المتحدة، استمرت بعض الأصوات السياسية داخلها في التشكيك بدور المنظمة، مما يعكس انقساماً داخلياً حول جدوى التعاون الدولي في هذا المجال.
أهمية منظمة الصحة العالمية ودورها التاريخي
تأسست منظمة الصحة العالمية في عام 1948 كإحدى الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، بهدف تعزيز الصحة والحفاظ على سلامة العالم وخدمة الضعفاء. وتاريخياً، لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في تأسيسها وكانت أكبر ممول لها على مر العقود. قادت المنظمة جهوداً عالمية ناجحة أدت إلى استئصال مرض الجدري، وكادت أن تقضي على شلل الأطفال، كما أنها تنسق الاستجابة الدولية للأوبئة الفتاكة مثل الإيبولا وزيكا وإنفلونزا الطيور. يعتمد العالم، وخاصة الدول النامية، بشكل كبير على خبرات المنظمة ودعمها الفني والمادي لمواجهة التحديات الصحية الطارئة والمزمنة.
التأثيرات المتوقعة للانسحاب على الساحة الدولية
إن انسحاب أكبر مساهم مالي من شأنه أن يحدث فراغاً هائلاً في ميزانية المنظمة، مما يهدد بانهيار برامج حيوية لمكافحة أمراض مثل الملاريا والسل وفيروس نقص المناعة البشرية، بالإضافة إلى برامج تطعيم الأطفال حول العالم. على الصعيد الاستراتيجي، سيؤدي غياب الولايات المتحدة إلى إضعاف آليات الرصد والإنذار المبكر للأمراض المعدية، مما يترك العالم أكثر عرضة للأوبئة المستقبلية. كما أن هذا القرار قد يشجع على تآكل النظام الصحي العالمي القائم على التعاون متعدد الأطراف، ويفتح الباب أمام تسييس القضايا الصحية، وهو ما حذر منه غيبرييسوس بقوله: “لطالما تعاملت المنظمة مع كل الدول الأعضاء باحترام كامل لسيادتها”.
ماذا يعني الانسحاب بالنسبة للولايات المتحدة؟
على عكس ما قد يبدو، فإن الانسحاب لا يعزل الولايات المتحدة عن المخاطر الصحية فحسب، بل يزيد من تعرضها لها. فبخروجها من المنظمة، تفقد واشنطن مقعدها على طاولة صنع القرار الصحي العالمي، وتُحرم من الوصول المباشر إلى شبكات المعلومات الحيوية والعينات الفيروسية التي يتبادلها العلماء لتطوير اللقاحات والعلاجات. هذا العزل الذاتي يعيق قدرة الولايات المتحدة على حماية مواطنيها من الأوبئة القادمة من الخارج، ويقوض دورها كقائدة عالمية في مجالي العلوم والطب.




