أخبار العالم

شولتس يحذر: عالم القوة يهدد الاستقرار ودروس التاريخ باقية

تحذير من نظام عالمي قائم على القوة

في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي يشهدها العالم، أطلق المستشار الألماني أولاف شولتس تحذيراً قوياً خلال كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مؤكداً أن عالماً لا تحكمه سوى القوة هو “مكان خطير”. جاءت تصريحاته في سياق متغيرات دولية عميقة، أبرزها الغزو الروسي لأوكرانيا، والصعود المتنامي لنفوذ الصين، والتحولات في السياسات الخارجية والأمنية للولايات المتحدة.

وأشار شولتس إلى أن هذا النموذج القائم على “شريعة الغاب” يمثل تهديداً وجودياً، ليس فقط للدول الصغيرة والمتوسطة التي قد تصبح ضحية سهلة لطموحات القوى الكبرى، بل يمتد خطره ليشمل الدول الكبرى نفسها. واستحضر المستشار الألماني التجربة التاريخية لبلاده، قائلاً: “في القرن العشرين، سلكت بلادي ألمانيا هذا الطريق حتى نهايته المريرة، وجرفت العالم معها إلى هاوية مظلمة”. يعكس هذا الاستشهاد الدروس القاسية التي تعلمتها ألمانيا من الحربين العالميتين، والتي شكلت حجر الزاوية في سياستها الخارجية السلمية لعقود طويلة، القائمة على التعددية والالتزام بالقانون الدولي.

خلفية التحول في السياسة الألمانية “Zeitenwende”

تكتسب كلمات شولتس أهمية خاصة لأنها تأتي في أعقاب إعلان ألمانيا عن تحول تاريخي في سياستها الدفاعية والأمنية، المعروف باسم “Zeitenwende” أو “نقطة التحول”. فبعد عقود من الحذر العسكري، دفعت الحرب في أوكرانيا برلين إلى إعادة تقييم جذرية لموقفها، حيث خصصت 100 مليار يورو لتحديث جيشها وزادت من إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، كما تخلت عن سياستها طويلة الأمد بعدم إرسال أسلحة إلى مناطق النزاع.

هذا التحول لا يعني تبني ألمانيا لمنطق القوة الذي تحذر منه، بل هو محاولة لامتلاك القوة اللازمة للدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد والقانون، وردع أي محاولة لتغيير الحدود بالقوة، وهو ما تعتبره برلين تهديداً مباشراً للأمن الأوروبي والعالمي.

أهمية التحذير وتأثيره المتوقع

يمثل موقف المستشار الألماني دعوة صريحة للمجتمع الدولي لتعزيز المؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والتمسك بمبادئ ميثاقها. على الصعيد الإقليمي، يعزز هذا التوجه من ضرورة تحقيق “الاستقلال الاستراتيجي” لأوروبا، لتكون قادرة على حماية مصالحها وقيمها في عالم متقلب، خاصة مع المخاوف التي أثيرت في سنوات سابقة حول متانة التحالف عبر الأطلسي. ففي عهد الإدارة الأمريكية السابقة، سادت حالة من القلق في العواصم الأوروبية، بما فيها برلين، من تفكك العلاقة مع واشنطن، مما دفع أوروبا إلى التفكير بجدية أكبر في الاعتماد على نفسها أمنياً وسياسياً.

إن تحذير ألمانيا، بصفتها أكبر اقتصاد في أوروبا وصاحبة تاريخ معقد مع سياسات القوة، يحمل وزناً رمزياً وعملياً. فهو ليس مجرد خطاب أخلاقي، بل هو انعكاس لرؤية استراتيجية ترى أن الاستقرار والازدهار العالميين لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال التعاون واحترام القانون الدولي، وليس عبر الهيمنة والصراع.

زر الذهاب إلى الأعلى