أخبار العالم

إرث التجارب النووية: قصص صادمة وضحايا بالملايين

إرث قاتل يطارد البشرية

كشف تقرير جديد صادر عن منظمة مساعدات الشعب النرويجي (NPA) الإنسانية عن حجم المأساة التي خلفتها حقبة التجارب النووية، حيث طالت تبعاتها كل إنسان على وجه الأرض، متسببة بوفاة ما لا يقل عن أربعة ملايين شخص بسبب السرطان وأمراض أخرى مزمنة. بين عامي 1945 و2017، شهد العالم إجراء أكثر من 2400 تجربة نووية، تركت وراءها إرثاً مدمراً من المعاناة الإنسانية والتلوث البيئي الذي سيستمر لأجيال.

السياق التاريخي: سباق التسلح في الحرب الباردة

بدأ العصر النووي مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتحديداً مع مشروع مانهاتن الأمريكي الذي أفضى إلى إلقاء قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945. هذه الأحداث لم تنهِ الحرب فحسب، بل دشنت أيضاً سباق تسلح محموم بين القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. خلال فترة الحرب الباردة، أصبحت التجارب النووية استعراضاً للقوة العسكرية والتقدم التكنولوجي. أُجريت هذه التجارب في مواقع نائية حول العالم، من صحاري نيفادا وكازاخستان إلى جزر المحيط الهادئ والصحراء الجزائرية، وغالباً ما كانت المجتمعات المحلية والسكان الأصليون هم الضحايا المباشرون لهذه التفجيرات دون علمهم بالمخاطر الحقيقية.

ضحايا منسيون وقصص صادمة

من بين الدول التسع التي يُعرف أنها تمتلك السلاح النووي، وهي روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وباكستان والهند وإسرائيل وكوريا الشمالية، وحدها بيونغ يانغ أجرت تجارب نووية في القرن الحادي والعشرين. لكن تقرير المنظمة النرويجية يُفصّل كيف لا تزال آثار التجارب السابقة ملموسة في أنحاء العالم.

تروي هينامويرا كروس، وهي برلمانية تاهيتية تبلغ 37 عاماً، قصتها قائلة: “لقد سممونا”. كانت في السابعة من عمرها عندما أجرت فرنسا آخر تجربة نووية لها قرب منزلها في بولينيزيا الفرنسية عام 1996. بعد سبعة عشر عاماً، شُخّصت إصابتها بسرطان الدم، بعدما عانت جدتها ووالدتها وعمتها من سرطان الغدة الدرقية. قصتها هي واحدة من آلاف القصص التي تعكس المعاناة المستمرة للناجين.

تأثير عالمي يتجاوز مواقع التفجير

لم يقتصر تأثير التجارب النووية على المناطق المجاورة لمواقع التفجير. أوضح التقرير أن الغبار الذري والجسيمات المشعة الناتجة عن التفجيرات الجوية انتشرت عبر الغلاف الجوي لتغطي الكوكب بأكمله. وقالت ماغدالينا ستاوكوسكي، أستاذة علم الإنسان بجامعة كارولاينا الجنوبية والمشاركة في إعداد التقرير: “كل إنسان على قيد الحياة اليوم يحمل نظائر مشعة من التجارب النووية في عظامه”.

ويُتوقع أن تتسبب التجارب الجوية وحدها، التي أُجريت حتى عام 1980، بمرور الوقت في مليوني حالة وفاة إضافية على الأقل بسبب السرطان، بالإضافة إلى عدد مماثل من الوفيات المبكرة نتيجة النوبات القلبية والسكتات الدماغية، وفقاً لتيلمان راف، أحد معدّي التقرير. هذا التأثير العالمي يسلط الضوء على أن التجارب النووية لم تكن قضية محلية، بل كارثة عالمية أثرت على صحة البشرية جمعاء.

ثقافة السرية وإنكار المسؤولية

وثّق تقرير المنظمة النرويجية نهجاً مستمراً من السرية بين الدول التي أجرت تجارب نووية. ففي كيريباتي، لا تزال الدراسات التي أجرتها بريطانيا والولايات المتحدة حول الآثار الصحية والبيئية مصنفة سرية. وفي الجزائر، لا تزال المواقع الدقيقة التي دفنت فيها فرنسا النفايات المشعة مجهولة. ولم تقدم أي من الدول النووية اعتذاراً رسمياً، وحتى برامج التعويض التي أُقرت غالباً ما تكون غير كافية ومصممة للحد من المسؤولية القانونية بدلاً من مساعدة الضحايا بصدق. هذا الإرث من السرية يعيق جهود المجتمعات المتضررة في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة وفهم حجم المخاطر التي تعرضوا لها.

وقال رئيس المنظمة ريموند يوهانس إن “التجارب النووية السابقة لا تزال تقتل الآن”، معرباً عن أمله في أن يُعزز التقرير “العزم على منع إجراء تجارب نووية أو اللجوء إليها مرة أخرى”. وفي ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، يبقى هذا التحذير أكثر أهمية من أي وقت مضى، لتذكير العالم بالتكلفة البشرية الباهظة لهذه الأسلحة المدمرة.

زر الذهاب إلى الأعلى