أخبار إقليمية

اتفاق دمشق وقسد: تفاصيل وتداعيات دمج المؤسسات بسوريا

دخل اتفاق دمج المؤسسات بين الحكومة السورية في دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حيز التنفيذ، في تطور يعد من أهم التحولات السياسية والعسكرية منذ اندلاع الأزمة السورية. يهدف هذا الاتفاق، الذي جاء بعد مفاوضات طويلة ومعقدة، إلى إعادة دمج مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ضمن هيكل الدولة السورية، مما يمثل خطوة حاسمة نحو إنهاء الانقسام واستعادة وحدة الأراضي السورية.

خلفية تاريخية وسياق الاتفاق

تأسست “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في عام 2015، وهي تحالف عسكري تتزعمه وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) ويضم فصائل عربية وسريانية وغيرها. برزت “قسد” كشريك أساسي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، ونجحت في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك حقول النفط والغاز الرئيسية والمناطق الزراعية الحيوية. على إثر ذلك، تم تأسيس “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” لإدارة هذه المناطق مدنياً، مما خلق واقعاً سياسياً جديداً خارج سيطرة الحكومة المركزية في دمشق.

ظلت العلاقة بين دمشق و”قسد” معقدة ومتأرجحة بين التوتر والتنسيق المحدود ضد أعداء مشتركين. إلا أن الضغوط المستمرة من تركيا، التي تعتبر “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتصنفها منظمة إرهابية، بالإضافة إلى التغيرات في السياسة الأمريكية، دفعت قيادة “قسد” إلى البحث عن تسوية سياسية مع دمشق لضمان مستقبل المنطقة وحماية مكتسباتها.

أهمية الاتفاق وتأثيره المتوقع

يحمل هذا الاتفاق أهمية استراتيجية كبرى على مختلف الأصعدة:

  • على الصعيد المحلي: يفتح الاتفاق الباب أمام عودة مؤسسات الدولة السورية للعمل بشكل كامل في مناطق شمال وشرق البلاد، بما في ذلك قطاعات التعليم والصحة والخدمات. كما يطرح تساؤلات حاسمة حول مستقبل آلاف المقاتلين في صفوف “قسد” وكيفية دمجهم في الجيش السوري، بالإضافة إلى تحديد شكل الإدارة المحلية في هذه المناطق بما يضمن حقوق المكون الكردي وبقية المكونات.
  • على الصعيد الإقليمي: لاقى الاتفاق ترحيباً من دول عربية، أبرزها المملكة العربية السعودية التي أعربت عن أملها في أن يسهم الاتفاق في دعم مسيرة سوريا نحو السلام والاستقرار وتعزيز وحدتها الوطنية. يعكس هذا الموقف التحول في السياسات الإقليمية تجاه سوريا والرغبة في عودتها إلى محيطها العربي. بالنسبة لتركيا، قد يغير الاتفاق من حساباتها الأمنية على حدودها الجنوبية.
  • على الصعيد الدولي: يمثل الاتفاق تحدياً للنفوذ الأمريكي في سوريا، حيث كانت واشنطن الداعم الرئيسي لـ”قسد”. وقد يُنظر إليه على أنه انتصار دبلوماسي لروسيا، التي لعبت دوراً محورياً في التوسط بين الطرفين، ويعزز من موقف الحكومة السورية في سعيها لبسط سيادتها على كامل أراضيها.

في الختام، يمثل بدء تطبيق اتفاق دمج المؤسسات بين دمشق و”قسد” منعطفاً تاريخياً في مسار الأزمة السورية. ورغم أن الطريق لا يزال محفوفاً بالتحديات، إلا أنه يبعث الأمل في إمكانية طي صفحة الصراع والانقسام، والتوجه نحو بناء مستقبل مستقر وموحد للشعب السوري بكافة أطيافه.

زر الذهاب إلى الأعلى