انتهاء ‘نيو ستارت’: جوتيريش يحذر من سباق تسلح نووي
في منعطف حاسم يهدد الأمن العالمي، وجه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، نداءً عاجلاً إلى الولايات المتحدة وروسيا، داعياً إياهما إلى العودة الفورية لطاولة المفاوضات للاتفاق على معاهدة جديدة للحد من الأسلحة النووية. يأتي هذا التحذير في وقت وصفه بـ “لحظة عصيبة على السلام والأمن الدوليين”، مع انتهاء صلاحية معاهدة “نيو ستارت”، آخر اتفاقية كبرى قائمة لمراقبة التسلح بين القوتين النوويتين العظميين.
خلفية تاريخية: من الحرب الباردة إلى “نيو ستارت”
لم تكن معاهدة “نيو ستارت”، التي تم توقيعها في عام 2010، مجرد وثيقة سياسية، بل كانت حجر الزاوية في بنية الاستقرار الاستراتيجي العالمي لعقود. انبثقت هذه المعاهدة من إرث طويل من اتفاقيات الحد من التسلح التي بدأت خلال الحرب الباردة بهدف تجنب كارثة نووية. حددت المعاهدة سقفاً لعدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن لكل دولة نشرها بـ 1550 رأساً، بالإضافة إلى تحديد عدد الصواريخ والقاذفات المنتشرة. والأهم من ذلك، أنها أرست نظاماً صارماً للتحقق والتفتيش المتبادل، مما وفر شفافية وثقة لا غنى عنهما بين الخصمين السابقين.
انهيار الثقة وتداعيات الحرب في أوكرانيا
شهدت السنوات الأخيرة تآكلاً تدريجياً في الثقة بين موسكو وواشنطن، وبلغ هذا التدهور ذروته مع تعليق روسيا مشاركتها في المعاهدة في فبراير 2023، متذرعة بالدعم الأمريكي لأوكرانيا. ورغم أن عمليات التفتيش الميدانية كانت متوقفة بالفعل بسبب جائحة كورونا، إلا أن القرار الروسي وجه ضربة قاصمة لآليات المعاهدة، وأغلق الباب أمام أي استئناف محتمل لها. ومع انتهاء صلاحيتها رسمياً، يدخل العالم للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن حقبة خطيرة تخلو من أي قيود ملزمة على الترسانات النووية للولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان معاً ما يقرب من 90% من الأسلحة النووية في العالم.
تأثير عالمي: شبح سباق تسلح جديد
إن غياب إطار قانوني للحد من التسلح يفتح الباب على مصراعيه أمام سباق تسلح جديد ومكلف وخطير. يمكن أن يؤدي هذا الفراغ إلى زيادة الدولتين لترسانتيهما وتطوير أسلحة جديدة أكثر تطوراً، مما يزيد من خطر سوء التقدير والنزاع العرضي. يمتد التأثير إلى ما هو أبعد من العلاقات الثنائية؛ حيث يشعر حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا بقلق متزايد، وقد يدفع هذا الوضع دولاً أخرى إلى إعادة تقييم سياساتها النووية، مما يهدد بتقويض نظام منع الانتشار النووي العالمي بأكمله. وقال جوتيريش في بيانه: “إنهاء عقود من الإنجازات لا يمكن أن يأتي في وقت أسوأ من هذا، إذ إن خطر استخدام سلاح نووي هو الأعلى منذ عقود”.
دعوة للمسؤولية في لحظة حرجة
تؤكد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة على القلق الدولي العميق من هذا التطور. فالعالم لا يحتمل العودة إلى سياسات حافة الهاوية التي سادت في الحرب الباردة. إن دعوة واشنطن وموسكو إلى “العودة لطاولة المفاوضات دون تأخير والاتفاق على إطار بديل” ليست مجرد مناشدة دبلوماسية، بل هي ضرورة ملحة للحفاظ على الأمن العالمي وتجنب مستقبل لا يمكن التنبؤ به، حيث يصبح شبح الدمار النووي أقرب من أي وقت مضى.




