انهيار نيو ستارت: الناتو يحذر من سباق تسلح نووي عالمي
دعوة الناتو لضبط النفس في ظل أزمة نووية
أطلق حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحذيراً قوياً ودعوة ملحة لضبط النفس وتحمل المسؤولية، في أعقاب قرار روسيا تعليق مشاركتها في معاهدة “نيو ستارت”، التي تعد آخر اتفاقية قائمة للحد من الأسلحة النووية بين موسكو وواشنطن. وأكد مسؤول في الحلف أن “ضبط النفس والمسؤولية في المجال النووي أمران أساسيان للأمن العالمي”، مشيراً إلى أن هذا التطور يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين والمخاطر على الساحة الدولية.
وفي ظل قيام روسيا والصين بتعزيز وتحديث ترسانتيهما النوويتين بشكل متسارع، شدد الحلف على أنه “سيواصل اتخاذ الخطوات اللازمة” لضمان أمن أعضائه وقدراته الدفاعية والردعية. وتأتي هذه التصريحات لتعكس القلق العميق في العواصم الغربية من انهيار الهيكل الأمني الذي تم بناؤه على مدى عقود لمنع الانتشار النووي وتجنب سباق تسلح كارثي.
خلفية تاريخية لمعاهدة نيو ستارت
تمثل معاهدة “نيو ستارت” (معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة) امتداداً لسلسلة من اتفاقيات الحد من التسلح التي بدأت خلال حقبة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وُقعت المعاهدة في براغ عام 2010 من قبل الرئيسين باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011. كانت المعاهدة تهدف إلى وضع سقف لعدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن لكل دولة نشرها عند 1550 رأساً، بالإضافة إلى تحديد عدد منصات الإطلاق المنتشرة (مثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة) بـ 700 منصة.
أهم ما ميز المعاهدة هو نظام التحقق الصارم الذي سمح لكل طرف بإجراء عمليات تفتيش ميدانية لمواقع الطرف الآخر، مما عزز الشفافية والثقة المتبادلة. وفي عام 2021، تم تمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات إضافية، لكن الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 أدى إلى تدهور العلاقات بشكل غير مسبوق، وبلغ ذروته بإعلان الرئيس فلاديمير بوتين في فبراير 2023 تعليق مشاركة بلاده في المعاهدة.
التأثيرات المتوقعة على الأمن العالمي
إن تعليق معاهدة “نيو ستارت” يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الثنائي، ينهي هذا القرار عقوداً من التعاون في مجال الرقابة على الأسلحة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، مما يغلق نافذة الشفافية الوحيدة المتبقية ويغذي الشكوك وانعدام الثقة. أما على الصعيد الدولي، فيخشى الخبراء أن يؤدي غياب القيود إلى إطلاق سباق تسلح جديد ومكلف، لا يقتصر على الولايات المتحدة وروسيا فحسب، بل قد يشمل قوى نووية أخرى مثل الصين.
وقد أعلنت الصين، التي تمتلك ترسانة نووية متنامية، رفضها الانضمام إلى محادثات ثلاثية للحد من التسلح، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني العالمي. إن انتهاء عصر معاهدات الحد من السلاح النووي يضع العالم أمام مستقبل أكثر خطورة وغموضاً، حيث تزداد احتمالات سوء التقدير والنزاعات التي قد تتصاعد إلى مواجهة نووية، وهو ما يمثل تهديداً وجودياً للبشرية جمعاء.




