أخبار العالم

الإنترنت في إيران: رقابة مشددة وخسائر اقتصادية فادحة

عودة حذرة للإنترنت في إيران وسط رقابة صارمة

على الرغم من الإعلانات الرسمية عن تخفيف القيود المفروضة على شبكة الإنترنت في إيران، لا يزال المواطنون يواجهون صعوبات جمة في الوصول إلى العالم الرقمي. فبعد الحجب شبه الكامل الذي فرضته السلطات في الثامن من يناير الماضي لمواجهة موجة الاحتجاجات الشعبية، عادت الخدمة بشكل جزئي ومحدود للغاية، حيث تظل الشبكة أداة خاضعة لرقابة مشددة تهدف إلى التحكم في تدفق المعلومات وقمع أي أصوات معارضة.

خلفية تاريخية لسياسة التحكم الرقمي

إن سياسة حجب الإنترنت ليست بالأمر الجديد في إيران، بل هي استراتيجية متكررة تلجأ إليها الحكومة في أوقات الاضطرابات السياسية والاجتماعية. وتعد واقعة نوفمبر 2019 من أبرز الأمثلة، حين قطعت السلطات الإنترنت بشكل شبه كامل لمدة أسبوع للتعتيم على قمع الاحتجاجات التي اندلعت بسبب رفع أسعار الوقود. وتعمل طهران منذ سنوات على تطوير “شبكة المعلومات الوطنية” (الإنترنت الداخلي)، وهو مشروع طموح يهدف إلى إنشاء بنية تحتية رقمية محلية معزولة عن الشبكة العالمية، مما يمنح الحكومة قدرة أكبر على مراقبة المحتوى وفصل المواطنين عن العالم الخارجي عند الحاجة، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الحكومية والمصرفية المحلية.

تفاصيل الحجب الأخير وتداعياته

جاء قرار الحجب الأخير في سياق تداول دعوات واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي للمشاركة في تظاهرات حاشدة. ولم يقتصر الحجب على قطع الاتصال بالإنترنت العالمي فحسب، بل شمل أيضًا تعطيل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) التي يستخدمها الإيرانيون لتجاوز الرقابة، ومحاولات التشويش على خدمات الإنترنت الفضائي مثل “ستارلينك”. وحتى بعد تخفيف القيود، لا يزال الوصول مقتصراً على “قائمة بيضاء” من المواقع والخدمات المعتمدة حكومياً، بينما تظل منصات عالمية شهيرة مثل فيسبوك، إكس (تويتر سابقاً)، يوتيوب، تليجرام، وإنستجرام محظورة، مما يجعل استخدامها متقطعاً ومحفوفاً بالمخاطر.

وقد أكدت منظمة “نتبلوكس”، المتخصصة في مراقبة حرية الإنترنت حول العالم، أن الوصول للشبكة في إيران “لا يزال يخضع لرقابة مشددة”، مشيرة إلى أن سياسات القوائم البيضاء والاتصال المتقطع تحد بشكل كبير من قدرة الإيرانيين على التواصل مع العالم الخارجي والحصول على معلومات غير خاضعة للرقابة.

الأثر الاقتصادي والاجتماعي العميق

لا تقتصر تداعيات قطع الإنترنت على الجانب السياسي والحقوقي، بل تمتد لتضرب الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً في مقتل. فوفقاً لتصريحات وزير الاتصالات الإيراني، تكبد الاقتصاد الرقمي خسائر يومية تقدر بنحو 3 ملايين دولار، بينما بلغت خسائر الاقتصاد الكلي حوالي 35 مليون دولار يومياً. هذه الأرقام تعكس الضرر البالغ الذي لحق بالشركات الناشئة، والتجارة الإلكترونية، والعاملين المستقلين الذين يعتمدون بشكل كلي على الإنترنت في أعمالهم. وعلى الصعيد الاجتماعي، أدى الحجب إلى عزلة المواطنين، وصعوبة التواصل بين أفراد العائلات، وتعطيل العملية التعليمية التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الموارد الرقمية.

ويرى خبراء في الحقوق الرقمية، مثل أمير رشيدي من مجموعة “ميان”، أن استمرار هذه القيود، رغم كونه “ممكنًا من الناحية التقنية”، إلا أنه يخلق ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً متراكماً، يتمثل في إضعاف الكفاءة الاقتصادية، وتشجيع هجرة رؤوس الأموال والعقول، وزيادة حالة السخط الشعبي، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.

زر الذهاب إلى الأعلى