مأساة السودان: 9 قتلى بينهم أطفال بانفجار لغم في جنوب كردفان
في فاجعة إنسانية جديدة تضاف إلى سجل الصراع الدامي في السودان، اهتزت ولاية جنوب كردفان وسط البلاد يوم الأحد الماضي على وقع انفجار لغم أرضي مضاد للدبابات، أودى بحياة تسعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال أبرياء. وقع الحادث المروع بينما كانت الضحايا يستقلون عربة توك توك على طريق حيوي، مما حول المركبة إلى حطام معدني وألقى بظلاله الثقيلة على مجتمع يعاني أصلاً من ويلات الحرب.
روى شاهد العيان عبد الباقي عيسى تفاصيل الحادث المروع، قائلاً: “كنا نسير خلف التوك توك على الطريق المؤدية إلى السوق عندما سمعنا دوي انفجار هائل. سقط الناس، ودُمّر التوك توك بالكامل”. هذه الشهادة المروعة لا تسلط الضوء فقط على لحظة الفاجعة، بل تؤكد على الخطر اليومي والمستمر الذي يواجهه المدنيون الأبرياء في المناطق المتأثرة بالنزاع، حيث تتحول الطرقات العادية إلى حقول موت محتملة بسبب مخلفات الحرب المتفجرة.
تأتي هذه الفاجعة الأليمة في سياق حرب مدمرة مستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، وهي حرب اندلعت نتيجة صراع مرير على السلطة بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بعد فترة من التوترات السياسية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير. لطالما عانت مناطق مثل جنوب كردفان، الواقعة على الحدود مع جنوب السودان وتضم جبال النوبة، من عدم الاستقرار والصراعات المسلحة المتكررة على مر العقود. هذه المنطقة كانت مسرحاً لصراعات سابقة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (SPLM-N)، مما أدى إلى انتشار واسع للألغام الأرضية والمتفجرات من مخلفات الحرب (ERW). هذه المخلفات تشكل تهديداً دائماً لحياة المدنيين، حتى بعد انتهاء المعارك في بعض المناطق، وتعيق عودة النازحين وتؤثر بشكل كارثي على سبل عيش المجتمعات المحلية، وتمنع الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي.
لقد خلفت الحرب الدائرة في السودان، والتي دخلت عامها الثاني، عشرات الآلاف من القتلى وشردت أكثر من 11 مليون شخص، مما أدى إلى “أسوأ أزمة إنسانية في العالم” وفقاً للأمم المتحدة. إن حوادث مثل انفجار اللغم هذا ليست مجرد أرقام في إحصائيات، بل هي قصص مأساوية لأسر فقدت أحباءها، وأطفال حُرموا من مستقبلهم، ومجتمعات دمرت بنيتها الاجتماعية والاقتصادية. يؤدي النزاع إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بشكل غير مسبوق، حيث يعاني الملايين من نقص حاد في الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية الأساسية، وتتدهور البنية التحتية بشكل مستمر، مما يهدد بانهيار كامل للدولة. على الصعيد الإقليمي، تسببت الأزمة في تدفق أعداد هائلة من اللاجئين إلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا، مما يضع ضغوطاً هائلة على موارد هذه الدول الهشة ويهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويزيد من مخاطر انتشار الصراعات العابرة للحدود. دولياً، تتزايد الدعوات لوقف إطلاق النار الفوري وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، لكن الجهود الدبلوماسية لم تسفر بعد عن حلول جذرية تنهي المعاناة.
لقد أدى النزاع إلى تقسيم البلاد الشاسعة، حيث يسيطر الجيش على الشمال والوسط والشرق، في حين تسيطر قوات الدعم السريع وحلفاؤها على أجزاء واسعة من الجنوب والغرب (خاصة دارفور)، حيث قامت بإدارة موازية في بعض المناطق. هذا الانقسام الجغرافي والسياسي يزيد من تعقيد الوضع الإنساني والأمني ويجعل جهود إعادة الإعمار والسلام أكثر صعوبة وطولاً. إن مقتل المدنيين الأبرياء، وخاصة الأطفال، جراء الألغام الأرضية يبرز الحاجة الملحة والقصوى لجهود إزالة الألغام الشاملة والفعالة، وتوعية المجتمعات المحلية بالمخاطر الكامنة في بيئتهم. والأهم من ذلك، ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام ينهي هذه الحرب المدمرة، ويحقق الأمن والاستقرار للشعب السوداني الذي دفع ولا يزال يدفع الثمن الأغلى لهذا الصراع العبثي.




