مال و أعمال

الجيولوجيا والتعدين: ركيزة الاقتصاد السعودي ورؤية 2030

أصدرت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية العدد الثامن والعشرين من مجلتها العلمية السنوية «أرضنا.. الجيولوجيا والتعدين»، الذي صدر في شهر أغسطس الماضي باللغتين العربية والإنجليزية. حمل غلاف هذا العدد عنوان «دراسة في أطوار الموجات الزلزالية في منطقة العيص البركانية». واحتوى العدد على مشاركات متنوعة من مجموعة من المتخصصين، في مواضيع شتى شملت مقالات ودراسات وأبحاثاً علمية رائدة في مجالات الجيولوجيا والتعدين، قدمت رؤى جديدة وتحليلات عميقة للتوجهات المستقبلية لهذا القطاع؛ لتعزيز الفهم العميق للأهمية الحيوية التي يشكلها في الاقتصاد الوطني.

تاريخياً، لعبت الجيولوجيا والتعدين دوراً محورياً في الحضارات القديمة بالجزيرة العربية، حيث كانت المنطقة غنية بالمعادن التي دعمت التجارة والصناعة لآلاف السنين. ومع اكتشاف النفط، تحول التركيز الاقتصادي، لكن رؤية السعودية 2030 أعادت تسليط الضوء على قطاع التعدين كركيزة أساسية للتنويع الاقتصادي. يهدف هذا التوجه إلى استغلال الثروات المعدنية الهائلة غير المستغلة، مما يفتح آفاقاً جديدة للنمو وخلق فرص عمل، ويقلل الاعتماد على النفط. وتعتبر الجيولوجيا هي العلم الأساسي الذي يمكن من خلاله تحديد هذه الثروات وتقييمها واستغلالها بشكل مستدام، مما يضمن تحقيق أقصى استفادة اقتصادية وبيئية.

قصة نجاح سعودية

افتتح العدد بموضوع «قصة نجاح سعودية.. إدراج شمال الرياض وسلمى جيوبارك في قائمة اليونسكو العالمية»، لمُدير أعلى الجيوبارك السعودية المدير التنفيذي لشمال الرياض جيوبارك وسلمى جيوبارك م. حسام التركي. الذي أوضح أن كلاً من شمال الرياض وجيوبارك أدرجا في قوائم الجيوباركات العالمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، وبذلك تصبح السعودية من أوائل الدول العربية الكائنة في منطقة الشرق الأوسط، التي تحتضن موقعين جيوباركيين عالميين؛ ما يعكس ريادتها في الحفاظ على إرثها الجيولوجي والتنوع الفريد. هذا الإنجاز يعزز السياحة البيئية والعلمية، ويسهم في التنمية المستدامة للمناطق المحيطة، مما يجذب الزوار والباحثين على حد سواء.

وتحت عنوان «هل يمكن للذكاء الاصطناعي استبدال الجيولوجي؟»، أشار خبير الذكاء الاصطناعي في قطاعات الطاقة د. سالم الغربي، إلى أن تطوير القدرات التقنية لم يعد خياراً بل ضرورة، ويجب على الجميع السعي المستمر لاكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في الأعمال اليومية. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث ثورة في تحليل البيانات الجيولوجية الضخمة، وتسريع عمليات الاستكشاف، وتحسين دقة التنبؤات، مما يعزز كفاءة قطاع التعدين ويقلل التكاليف التشغيلية.

إنتاج الطاقة الحرارية

وبين المهندس الجيولوجي هيثم برنجي، في موضوع «عصر جديد في استكشاف مصادر جيولوجية لإنتاج الطاقة الحرارية الأرضية في السعودية»، أن استكشاف مصادر الحرارة الجوفية يجب تقييمها جيولوجياً من خلال الدراسات الجيولوجية التي تبدأ من دراسة الخرائط الجيولوجية، وكذلك عمل قياس للتراكيب الجيولوجية، مثل الصدوع والشقوق، والدراسات الهيدرولوجية وتحاليل المياه. تمتلك السعودية إمكانات واعدة في مجال الطاقة الحرارية الأرضية، والتي تمثل مصدراً نظيفاً ومتجدداً للطاقة، مما يدعم أهداف المملكة في تنويع مزيج الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية، تماشياً مع التوجهات العالمية نحو الاستدامة.

وفي موضوع «دور مختبر الجيولوجيا الهندسية في ضمان سلامة المشاريع واستدامتها»، ألقى رئيس مختبر الجيولوجيا الهندسية م. رائد العمري، الضوء على أهمية مختبر الجيولوجيا في دراسة الخواص الفيزيائية والميكانيكية والجيوتقنية للتربة والصخور؛ للتعرف على الخصائص الجيولوجية ومدى ملاءمتها للمشاريع الهندسية. مع التوسع العمراني ومشاريع البنية التحتية الضخمة في المملكة، يصبح دور المختبرات الجيوتقنية حاسماً لضمان سلامة واستدامة المنشآت وتقليل المخاطر الهندسية، مما يوفر بيئة آمنة للمجتمعات.

ثروات معدنية هائلة

وبعنوان «علوم الأرض والتعدين في المملكة في ظل رؤية 2030.. مستقبل مشرق بقيادة العلم والابتكار»، أوضح عميد كلية علوم الأرض بجامعة الملك عبدالعزيز أ. د. بدر حكمي تميز قطاع التعدين بالمملكة بكونه أحد أكبر القطاعات الواعدة، خصوصاً مع وجود ثروات معدنية هائلة، تشمل الذهب، الفوسفات، البوكسايت، النحاس، الحديد، معادن الأرض النادرة التي تزداد أهميتها عالمياً في ظل التوجهات الجديدة نحو التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة. هذا يضع السعودية في موقع استراتيجي لتلبية الطلب العالمي والمساهمة في سلاسل الإمداد العالمية، مما يعزز مكانتها الاقتصادية على الساحة الدولية.

وبعنوان «حصاد المياه في محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية.. نحو تنمية بيئية مستدامة»، ذكر أستاذ البيئة والاستشعار عن بعد بجامعة القصيم أ. د. أحمد الدغيري، أن الدراسة تعد محاولة علمية لتحليل إمكانيات حصاد المياه في المحمية من خلال توظيف منهج علمي متكامل يجمع بين التحليل الهيدرولوجي والبيئي والجيوفيزيائي، مستنداً إلى أدوات الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية؛ لتحديد المواقع المثلى للحصاد ودعم التنوع الحيوي في الموائل الطبيعية. هذا الجهد حيوي للأمن المائي في المملكة، ويسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

وتحت عنوان «كل ما حولنا جيولوجيا.. الجيولوجيا والبيئة»، أوضح مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الجيولوجيين السعوديين أ. د. عبدالعزيز بن لعمون، أن الجيولوجيا ليست مجرد علم، بل هي مفتاح لفهم البيئات المختلفة لكوكبنا، وتفاعلاتها المعقدة مع الإنسان؛ لأنها توفر الأدوات لفهم الماضي والتحكم في الحاضر والتخطيط لمستقبل أكثر استقراراً. هذا يؤكد دورها المحوري في التنمية المستدامة وحماية البيئة، وضرورة دمج المعرفة الجيولوجية في كافة جوانب التخطيط والتطوير.

مشاريع التنقيب الأثري

وكشف موضوع «مشاريع أعمال التنقيب الأثري بمواقع التعدين القديمة بالمملكة العربية السعودية»، الذي تناوله كل من مدير عمليات التنقيب الأثري بهيئة التراث خالد الزهراني، وأخصائي أول عمليات التنقيب بالهيئة هايب الصيخان، أن الأعمال الأثرية بالمواقع كشفت العديد من النتائج، كما وثقت هذه الأعمال أدوات صهر المعادن ووسائلها، وكذلك وثقت مستوطنات ومواقع رئيسية للتعدين ذات بنية تحتية متكاملة من مساجد ودور سكن وأماكن عمل. هذه الاكتشافات لا تسلط الضوء فقط على تاريخ التعدين في المملكة، بل تفتح أيضاً آفاقاً جديدة للسياحة الثقافية والتراثية، مما يربط الماضي بالحاضر والمستقبل ويعزز الهوية الوطنية.

وعن «قاعدة المعلومات الجيولوجية الوطنية»، نوه مالك مبادرة قاعدة المعلومات الجيولوجية الوطنية بهيئة المساحة الجيولوجية السعودية م. مصطفى مكي، إلى أن القاعدة تعد إحدى أهم دعائم الاستراتيجية الوطنية الشاملة للتعدين؛ لما توفره من بيانات جيولوجية إقليمية متعددة، تدعم اتخاذ القرار لاستغلال الثروات المعدنية. تعتبر هذه القاعدة ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات، وتسهيل البحث العلمي، وتوفير معلومات دقيقة للمستثمرين والباحثين، مما يعزز الشفافية والكفاءة في القطاع ويدعم النمو الاقتصادي.

في الختام، يؤكد العدد الثامن والعشرون من مجلة «أرضنا» على الدور المحوري للجيولوجيا والتعدين في بناء مستقبل السعودية الاقتصادي المستدام. من خلال الأبحاث والدراسات المتخصصة، تسهم هيئة المساحة الجيولوجية السعودية في تعزيز المعرفة وتوجيه الجهود نحو استغلال أمثل لثروات المملكة الطبيعية، بما يتماشى مع طموحات رؤية 2030 لتحقيق التنمية الشاملة والازدهار والريادة العالمية في هذا المجال الحيوي.

زر الذهاب إلى الأعلى