أخبار إقليمية

دعم السعودية لليمن: استقرار وتنمية في بيئات النزاع

شارك وفد البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (SPDRY)، برئاسة مساعد المشرف العام المهندس حسن العطاس، في حلقة نقاش مائدة مستديرة رفيعة المستوى نظمها البنك الدولي. عُقدت هذه المائدة تحت عنوان “إتاحة فرص العمل في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات: مائدة مستديرة حول تحفيز الاستثمارات الخاصة”، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في العاصمة الأمريكية واشنطن. شهدت الجلسة حضوراً دولياً بارزاً، شمل المديرة المنتدبة للعمليات في البنك الدولي آنا بيرد، ووزراء من دول مؤثرة مثل المملكة المتحدة وبلجيكا وألمانيا، بالإضافة إلى ممثلين عن الصومال وغينيا وإثيوبيا. كما حضر نائب رئيس العمليات في الوكالة الدولية لضمان الاستثمار التابعة لمجموعة البنك الدولي، جنيد أحمد، إلى جانب عدد من صناع القرار وممثلي المنظمات الدولية، مما يعكس الأهمية العالمية للموضوع المطروح.

في هذا السياق، أعرب المهندس حسن العطاس، مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، عن خالص شكره وتقديره لمجموعة البنك الدولي على جهودها المتميزة في تنظيم هذه المائدة المستديرة. وأكد العطاس أن هذا التجمع يكتسب أهمية خاصة لكونه يجمع قادة وصانعي سياسات من عدة دول، إلى جانب قيادات من مجموعة البنك الدولي، في نقاش معمق يعكس البعد العالمي للتحديات التنموية في المناطق المتأثرة بالصراعات وضرورة تضافر الجهود الدولية لمواجهتها.

تأتي هذه المشاركة في وقت حرج يمر به اليمن، الذي يشهد صراعاً مدمراً منذ عام 2014، تفاقم مع تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في عام 2015 لدعم الحكومة الشرعية. لقد أدت هذه الأزمة إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين اليمنيين من انعدام الأمن الغذائي، ونقص الخدمات الأساسية، وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية. في خضم هذه الظروف الصعبة، برز دور المملكة العربية السعودية كداعم رئيسي للشعب اليمني، ليس فقط على الصعيد العسكري لدعم الشرعية، بل أيضاً من خلال التزامها الثابت بتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية. وقد تجسد هذا الالتزام في إنشاء البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (SPDRY) كذراع متخصص لتنسيق وتنفيذ مشاريع الإغاثة والتنمية، بهدف استعادة الحياة الطبيعية ودعم سبل العيش في المناطق المحررة.

وأكد المهندس العطاس أن المملكة العربية السعودية لطالما كانت في طليعة الدول الداعمة لليمن، حيث ساهمت بفعالية في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الجمهورية اليمنية. تُعد المملكة أكبر داعم لليمن على مدار العقود الماضية، حيث تجاوز حجم الدعم التنموي والاقتصادي والإنساني الذي قدمته 26 مليار دولار أمريكي. هذا الدعم الشامل لم يقتصر على المساعدات الطارئة، بل امتد ليشمل مبادرات استراتيجية تهدف إلى بناء قدرات الدولة اليمنية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.

وأوضح العطاس أنه منذ عام 2018، قدمت المملكة ودائع ومنحاً مباشرة للبنك المركزي اليمني ووزارة المالية، كان من أبرزها وديعة بقيمة ملياري دولار أمريكي لتغطية واردات الغذاء الأساسية، مما ساهم في استقرار أسعار السلع الضرورية وتخفيف العبء عن كاهل المواطنين. كما قدمت المملكة دعماً إضافياً قُدّر بأكثر من 12 مليار دولار أمريكي بين عامي 2012 و2025. وقد ساهم هذا الدعم المالي الكبير في التخفيف من العبء على ميزانية الحكومة اليمنية الشرعية، والحد من استنزاف البنك المركزي اليمني من احتياطيات العملة الأجنبية. وشمل الدعم أيضاً تقديم منح من المشتقات النفطية، مما أسهم في استقرار الأسواق وتحسين السيولة، ومكن القطاع الخاص من مواصلة عملياته والمساهمة في الاقتصاد.

واستعرض المهندس العطاس التجربة التنموية الرائدة للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، والدروس المستفادة من تدخلاته التنموية المتنوعة. وأشار إلى أن البرنامج يرتكز على ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية: أولاً، دعم القطاع الحكومي اليمني لتعزيز قدراته المؤسسية. ثانياً، الاستثمار في البنية التحتية الحيوية ورأس المال البشري، بما في ذلك مشاريع الطرق والموانئ والمستشفيات والمدارس. وثالثاً، تحفيز القطاع الخاص ليكون محركاً للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وأضاف أن هذا الإطار الشامل قد ساهم بفعالية في تقوية المؤسسات الحكومية، والحد من استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، وتمكين الوزارات اليمنية من تنفيذ سياسات اقتصادية ومالية أكثر كفاءة وشفافية.

وأفاد العطاس أن البرنامج قد نفذ أكثر من 265 مشروعاً ومبادرة تنموية في 16 محافظة يمنية، غطت ثمانية قطاعات حيوية أساسية مثل الصحة والتعليم والمياه والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية. وقد تم تنفيذ هذه المشاريع بمتابعة وإشراف مباشر من خمسة مكاتب تنفيذية تابعة للبرنامج داخل اليمن، وبتكلفة إجمالية بلغت 1.145 مليار دولار أمريكي. هذه المشاريع تهدف إلى تحسين جودة الحياة، وتوفير الخدمات الأساسية، وخلق بيئة مواتية للتعافي الاقتصادي.

إن أهمية هذا الدعم تتجاوز الأرقام والمشاريع؛ فهي تمثل ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار المستدام في اليمن. على الصعيد المحلي، تسهم هذه المبادرات في إعادة بناء الثقة بين المواطنين والحكومة الشرعية، وتوفر فرص عمل حيوية للشباب، وتخفف من حدة الأزمة الإنسانية من خلال تحسين الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية. إقليمياً، يمثل استقرار اليمن عاملاً حاسماً لأمن الملاحة الدولية في مضيق باب المندب، ويحد من التهديدات الإرهابية، ويقلل من التدخلات الخارجية التي تزعزع استقرار المنطقة. دولياً، تُظهر جهود المملكة التزاماً بمعالجة إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وتدعم الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حل سياسي شامل للصراع، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.

وعلى هامش الاجتماعات السنوية، عقد وفد البرنامج سلسلة من اللقاءات الثنائية الهامة لتعزيز التعاون الدولي. شملت هذه اللقاءات اجتماعاً مع وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور واعد باذيب، ولقاءً آخر مع المدير التنفيذي لمكتب المملكة لدى مجموعة البنك الدولي سهيل السعيد. كما التقى الوفد السيد مارتن روس، مستشار العلاقات الدولية في وزارة المالية في إستونيا، وعقد لقاءً مع الدكتورة جيهان عبدالغفار، كبيرة مستشاري المدير التنفيذي في مجلس إدارة مجموعة البنك الدولي. هدفت هذه اللقاءات إلى تعزيز التنسيق الدولي ودعم الجهود المشتركة لتحقيق التنمية المستدامة في الجمهورية اليمنية، والتأكيد على أهمية الشراكات العالمية في مواجهة التحديات التنموية المعقدة.

يؤكد هذا الحضور النشط للمملكة العربية السعودية في المحافل الدولية، ودورها المحوري في دعم اليمن، على رؤيتها بأن التنمية المستدامة هي السبيل الأمثل لتحقيق السلام الدائم. إن النموذج الذي تقدمه المملكة في دعم اليمن، والذي يجمع بين المساعدات الإنسانية العاجلة والمشاريع التنموية طويلة الأمد، يُعد مثالاً يحتذى به في كيفية التعامل مع البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات، ويسلط الضوء على أهمية الاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية كركائز أساسية للتعافي والازدهار.

زر الذهاب إلى الأعلى