صواريخ إيران الانشطارية تقصف تل أبيب: هل تغير موازين الحرب؟

في تطور لافت يهدد بتصعيد غير مسبوق في الشرق الأوسط، شهدت سماء تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى مساء الخميس سلسلة من الانفجارات المدوية، إثر إطلاق إيران رشقات صاروخية جديدة تضمنت صواريخ انشطارية. هذا الهجوم، الذي أكدته وكالة “فرانس برس” وغيرها من المصادر الموثوقة، يمثل نقلة نوعية في طبيعة المواجهة العسكرية بين الخصمين اللدودين، ويثير تساؤلات جوهرية حول قدرته على تغيير موازين القوى في المنطقة.
تُعد الصواريخ الانشطارية من الأسلحة المثيرة للجدل دولياً بسبب طبيعتها التدميرية الواسعة. فبدلاً من حمل رأس حربي واحد، تنفجر هذه الصواريخ في الجو وتطلق عشرات أو حتى مئات القنابل الصغيرة (الذخائر العنقودية) التي تتناثر على مساحة واسعة، مما يزيد بشكل كبير من نطاق الدمار ويجعلها خطيرة للغاية على المدنيين والبنية التحتية. كما أن نسبة كبيرة من هذه الذخائر قد لا تنفجر عند الارتطام، لتتحول إلى ألغام أرضية خطيرة تهدد الأرواح لسنوات طويلة بعد انتهاء الصراع. ورغم وجود اتفاقيات دولية مثل “اتفاقية أوسلو لحظر الذخائر العنقودية”، إلا أن دولاً رئيسية مثل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لم توقع أو تصادق عليها، مما يترك الباب مفتوحاً لاستخدامها في النزاعات.
يأتي هذا الهجوم في سياق تاريخ طويل من التوتر والصراع غير المباشر بين إيران وإسرائيل، والذي يُعرف بـ “حرب الظل”. فلطالما تبادلت الدولتان الضربات عبر وكلاء في المنطقة، وفي الفضاء السيبراني، وعلى صعيد الهجمات الموجهة ضد المصالح الملاحية والاقتصادية. لكن التصعيد الأخير، الذي بلغ ذروته في أبريل 2024 بهجوم إيراني مباشر غير مسبوق بالصواريخ والطائرات المسيرة رداً على استهداف قنصليتها في دمشق، قد فتح فصلاً جديداً من المواجهة المباشرة. استخدام الصواريخ الانشطارية الآن يشير إلى مستوى جديد من الجرأة والتهديد، حيث تستهدف هذه الأسلحة مناطق حضرية مأهولة، مما يرفع من احتمالية وقوع خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وفقاً للتقارير، أضاءت مسارات الصواريخ سماء مدينة نتانيا، الواقعة شمال تل أبيب، بينما دوت انفجارات متتالية بعد الساعة التاسعة مساء بقليل، مما أثار حالة من الذعر والقلق بين السكان. إن قدرة هذه الصواريخ على إحداث أضرار متعددة في وقت واحد، وتجاوز بعض أنظمة الدفاع الجوي، يمثل تحدياً كبيراً للدفاعات الإسرائيلية مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود ونظام آرو. هذا النوع من الهجمات لا يهدف فقط إلى إلحاق الضرر المادي، بل يسعى أيضاً إلى إحداث تأثير نفسي عميق على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وزعزعة شعور الأمن لدى المواطنين.
على الصعيد الإقليمي، يهدد هذا التصعيد بدفع المنطقة نحو حافة الهاوية. فالهجوم الإيراني المباشر باستخدام أسلحة بهذا القدر من الخطورة قد يدفع إسرائيل إلى رد فعل أقوى وأوسع نطاقاً، مما قد يجر أطرافاً أخرى في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان أو الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا واليمن، إلى دائرة الصراع المباشر. هذا السيناريو الكارثي قد يؤثر بشكل كبير على استقرار دول الجوار، ويهدد بتعطيل الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، مما سيكون له تداعيات اقتصادية وسياسية عالمية وخيمة.
دولياً، من المتوقع أن يواجه استخدام الصواريخ الانشطارية إدانة واسعة من المجتمع الدولي، خاصة من الدول الموقعة على اتفاقية حظر هذه الأسلحة. ستتزايد الدعوات إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، وقد تتدخل القوى الكبرى لمحاولة احتواء الموقف ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. ومع ذلك، فإن طبيعة هذا الهجوم تشير إلى أن قواعد الاشتباك قد تغيرت، وأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة التي قد تكون أكثر دموية وتدميراً. يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح الجهود الدبلوماسية في لجم هذا التصعيد، أم أن الشرق الأوسط على موعد مع تحولات جذرية في موازين القوى والصراع؟




