قصف إسرائيلي مكثف لضاحية بيروت: حرب ضد حزب الله

شنت القوات الجوية الإسرائيلية موجة جديدة ومكثفة من الغارات الجوية على ضاحية بيروت الجنوبية، اليوم الجمعة، مستهدفةً مواقع حساسة تابعة لحزب الله. وأكد الجيش الإسرائيلي أن هذه الغارات الليلية استهدفت مقرات قيادية وبنى تحتية أنفاقية تستخدمها المنظمة، مشدداً على أن العملية العسكرية في لبنان لن تتوقف قبل “إزالة التهديد” الذي يمثله حزب الله على حدوده الشمالية. هذا التصعيد يمثل مرحلة جديدة في المواجهة المستمرة، ويثير قلقاً متزايداً بشأن اتساع نطاق الصراع.
تأتي هذه التطورات في سياق تصعيد مستمر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ 26 غارة على ضاحية بيروت الجنوبية وحدها منذ بدء “المعركة” الحالية، بالإضافة إلى استهداف أكثر من 500 هدف في عموم لبنان. وشملت الأهداف المستودعات التي تخزن فيها صواريخ ومسيرات، والتي تعتبرها إسرائيل جزءاً من البنية التحتية العسكرية لحزب الله. كما استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية صباح اليوم سلسلة من البلدات في جنوب لبنان، من بينها عنقون وصريفا وقلوعية والحنية، مما يشير إلى توسع نطاق العمليات الجغرافية ونوعية الأهداف، في محاولة واضحة لتقويض القدرات العسكرية لحزب الله بشكل منهجي.
السياق التاريخي والتصعيد الجاري: جذور الصراع وتداعياته
تعتبر ضاحية بيروت الجنوبية، المعروفة بـ “الضاحية”، معقلاً رئيسياً لحزب الله ومركزاً لثقله السياسي والعسكري والاجتماعي. وقد شهدت تاريخياً استهدافات إسرائيلية متكررة، أبرزها خلال حرب لبنان عام 2006. تلك الحرب، التي استمرت 34 يوماً، أسفرت عن دمار واسع في الضاحية وفي جنوب لبنان، وأدت إلى سقوط آلاف الضحايا وتشريد مئات الآلاف. ورغم الدمار، خرج حزب الله من تلك الحرب معززاً لقوته العسكرية ومكانته السياسية في لبنان والمنطقة، مما أرسى معادلة ردع معقدة استمرت لسنوات.
التصعيد الحالي يندرج ضمن صراع أوسع نطاقاً بين إسرائيل وحزب الله، والذي تفاقم بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023. فبعد هجوم حماس، فتح حزب الله “جبهة دعم” في شمال إسرائيل، مما أدى إلى تبادل يومي لإطلاق النار عبر الحدود. يرى الجانبان أن وجود الآخر يمثل تهديداً أمنياً مباشراً، مما يدفع إلى دورة من العنف والانتقام المتبادل. تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، بأن “الحملة على لبنان لن تنتهي قبل إزالة التهديد”، تعكس استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية لحزب الله على حدودها الشمالية، وربما تغيير قواعد الاشتباك بشكل جذري.
تاريخياً، لطالما كانت الحدود اللبنانية الإسرائيلية نقطة توتر رئيسية في الشرق الأوسط. فبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، عزز حزب الله وجوده في المنطقة، مما أثار مخاوف إسرائيلية متواصلة بشأن أمن حدودها. الصراع الحالي لا يمثل مجرد جولة جديدة من العنف، بل هو امتداد لعقود من التوترات، مدفوعاً بديناميكيات إقليمية أوسع تشمل الصراع الإيراني الإسرائيلي بالوكالة، حيث يعتبر حزب الله ذراعاً رئيسياً لإيران في المنطقة.
التداعيات المحلية والإقليمية والدولية: لبنان على حافة الهاوية
يحمل هذا التصعيد العسكري تداعيات خطيرة على لبنان، الذي يعاني بالفعل من أزمة اقتصادية خانقة وشلل سياسي غير مسبوق. فاستهداف مناطق مدنية، حتى لو كانت تعتبر معاقل عسكرية، يزيد من معاناة السكان ويهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية. نزوح الآلاف من سكان القرى الحدودية في الجنوب، وتدمير البنى التحتية، يضع ضغطاً هائلاً على موارد الدولة اللبنانية المنهكة، ويهدد بتعميق الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي. كما أن استمرار الغارات يهدد بتدمير ما تبقى من قطاعات حيوية مثل السياحة، التي تعتبر شريان حياة للاقتصاد اللبناني.
على الصعيد الإقليمي، يثير قصف بيروت مخاوف جدية من اتساع رقعة الصراع ليشمل المنطقة بأسرها، خاصة مع تزايد التوترات بين إسرائيل وإيران وحلفائها في سوريا والعراق واليمن. قد يؤدي هذا التصعيد إلى تدخل أطراف إقليمية أخرى، مما يعقد جهود التهدئة ويصعب التوصل إلى حلول دبلوماسية. إن أي تصعيد شامل قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية مدمرة، تكون لها عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار العالميين، بما في ذلك التأثير على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية.
دولياً، تتزايد الدعوات لوقف التصعيد وضبط النفس من قبل المجتمع الدولي، الذي يخشى من انفجار شامل في الشرق الأوسط. المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة وقوات اليونيفيل المنتشرة في جنوب لبنان، تراقب الوضع عن كثب وتدعو إلى حماية المدنيين واحترام القانون الإنساني الدولي. وقد كثفت الولايات المتحدة وفرنسا جهودهما الدبلوماسية لمنع حرب واسعة النطاق، لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة في ظل تصميم الأطراف المتحاربة على تحقيق أهدافها العسكرية. إن استمرار هذه الغارات يضع لبنان على حافة الهاوية، ويهدد بزعزعة الاستقرار الإقليمي بشكل غير مسبوق، ويجعل آفاق التهدئة بعيدة المنال في الوقت الراهن.




