مخاوف النصر في الدوري السعودي: هل يلدغ من الجحر مرتين؟

رغم الانتصار الأخير الذي حققه فريق النصر، إلا أن هذا الفوز لم يكن كافيًا لتبديد حالة القلق التي تسيطر على جماهيره العريضة. بل على العكس، أعاد إلى الأذهان تساؤلاً قديمًا يتردد صداه بين أنصار النادي كلما اقترب الفريق من اللحظات الحاسمة في سباق الدوري السعودي للمحترفين: هل يمكن أن يلدغ النصر من الجحر ذاته مرتين؟ هذا التساؤل يعكس مخاوف متجذرة من تكرار سيناريو الدور الأول، حيث شهد الفريق تراجعًا في الأداء أفقده نقاطًا ثمينة، مما سمح لمنافسه التقليدي الهلال بتوسيع الفارق إلى سبع نقاط والتربع على صدارة دوري روشن.
تاريخيًا، يُعد نادي النصر أحد أعمدة كرة القدم السعودية، ويمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة وتاريخًا حافلاً بالبطولات. لطالما كانت المنافسة بينه وبين الهلال شرسة، وشكلت هذه الديربيات جزءًا لا يتجزأ من هوية الدوري السعودي. في السنوات الأخيرة، ومع الطفرة الكبيرة التي شهدها الدوري السعودي باستقطاب نجوم عالميين مثل كريستيانو رونالدو، أصبحت الأنظار تتجه نحو هذه البطولة بقوة أكبر، مما يرفع من سقف التوقعات والضغوط على الأندية الكبرى لتحقيق الألقاب وتقديم أداء يليق بهذه المكانة الدولية المتزايدة.
المباراة الأخيرة أمام نيوم، والتي انتهت بانتصار نصراوي، لم تكن مقنعة بالقدر الكافي. فالنصر لم يتمكن من فرض إيقاعه بشكل كامل طوال التسعين دقيقة، ولم ينجح في حسم النتيجة مبكرًا، بل احتاج إلى الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء ليحقق هدفه المنشود. هذا الأداء المتردد يثير القلق، خاصة وأن سباق اللقب هذا الموسم لا يحتمل أي تعثرات إضافية، في ظل الضغط المتواصل من الأهلي والملاحقة المستمرة من الهلال، اللذين يظهران استقرارًا فنيًا وبدنيًا لافتًا.
من جانبه، يرى المدرب الوطني صالح المحمدي أن الصورة الفنية ليست قاتمة تمامًا، مشيرًا إلى أن النصر قدم مباراة جيدة من حيث صناعة الفرص والوصول المتكرر إلى مرمى نيوم، وأن تألق حارس المنافس هو ما حرم الفريق من ترجمة تلك الفرص إلى أهداف. ويعتقد المحمدي أن النصر يمتلك المقومات للحفاظ على موقعه في المنافسة على الصدارة، شريطة تحقيق نتائج إيجابية في المواجهات المباشرة المرتقبة مع منافسيه الرئيسيين، الأهلي والهلال، مؤكدًا أن هذه المباريات غالبًا ما تكون حاسمة في تحديد مسار اللقب.
على النقيض، يقدم المدرب الوطني محمد العبدلي قراءة أكثر حذرًا، محذرًا من أن سيناريو مباراة نيوم قد يتكرر في الجولات القادمة، بل قد يصبح أكثر صعوبة وتعقيدًا مع دخول الدوري مراحله الحاسمة. فالأندية التي تتنافس على اللقب ستخوض كل مباراة وكأنها نهائي، بينما ستلعب الفرق التي تصارع من أجل البقاء بتنظيم دفاعي محكم، مما يجعل مهمة التسجيل أكثر صعوبة. كما أشار العبدلي إلى أن غياب نجم الفريق كريستيانو رونالدو عن المباراة الأخيرة كان له تأثير واضح على المنظومة الهجومية، فوجوده يمنح الفريق حلولًا إضافية وقوة ضاربة في مناطق الحسم، ليس فقط بتسجيل الأهداف ولكن أيضًا بخلق المساحات وجذب المدافعين.
إن أهمية هذا السباق لا تقتصر على الجانب المحلي فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد الإقليمية والدولية. ففوز النصر باللقب سيعزز مكانته كنادٍ رائد في المنطقة ويؤهله للمنافسة بقوة في البطولات القارية مثل دوري أبطال آسيا، مما يساهم في رفع مستوى الكرة السعودية ككل. وعلى الصعيد الدولي، فإن الأداء القوي للنصر في دوري يضم نخبة من اللاعبين العالميين يعكس جاذبية الدوري السعودي وقدرته على المنافسة مع الدوريات الكبرى، وهو ما يصب في مصلحة رؤية المملكة 2030 التي تهدف إلى تعزيز مكانة الرياضة السعودية عالميًا.
مع اقتراب نهاية الموسم، يبدو جدول مباريات النصر المتبقية مليئًا بالتحديات، حيث سيواجه فرقًا تبحث عن النجاة من الهبوط وأخرى تنافس مباشرة على المراكز المتقدمة. في المقابل، يترقب الأهلي والهلال أي تعثر محتمل للنصر لإعادة خلط أوراق الصدارة. لهذا كله، يبقى السؤال المحوري الذي يشغل بال الجماهير النصراوية حاضرًا بقوة: هل يمتلك النصر القدرة على تجاوز هذه المرحلة الحرجة بثبات، أم سيعيد نفسه إلى دوامة التفريط التي عانى منها في الدور الأول؟ الإجابة ستكشفها الجولات القادمة، لكن الشعور العام حتى الآن يؤكد أن النصر، رغم طموحه الكبير في الفوز باللقب، ما زال يثير القلق في قلوب محبيه.




