أمريكا تمنح حصانة لمسؤولين إيرانيين: مفاوضات الاتفاق النووي

في تطور دبلوماسي لافت يعكس مدى التعقيد وغياب الثقة الذي يكتنف مفاوضات إحياء الاتفاق النووي الإيراني، كشفت تقارير إعلامية غربية أن الولايات المتحدة وإسرائيل منحتا حصانة مؤقتة لاثنين من كبار المسؤولين الإيرانيين لتسهيل مشاركتهم في المحادثات الجارية. تأتي هذه الخطوة في الوقت الذي تؤكد فيه تقارير تسليم مقترحات أمريكية إلى طهران عبر باكستان، مما يشير إلى استمرار الجهود الدبلوماسية المكثفة خلف الكواليس.
ووفقاً لما نقلته القناة 14 الإسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين، فإن الحصانة المؤقتة قد مُنحت لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وتغطي هذه الحصانة، التي تمتد لخمسة أيام على الأقل، مدة الجولة الحالية من المحادثات، بهدف ضمان قدرتهم على السفر والمشاركة في المفاوضات دون مخاوف من الملاحقة القانونية أو الاعتقال، خاصة في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. ورغم أهمية هذا الترتيب، لم يصدر تأكيد رسمي بشأنه من أي من الأطراف الأمريكية أو الإسرائيلية أو الإيرانية، مما يبرز حساسية الموقف.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخ طويل من التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وتحديداً منذ انسحاب واشنطن من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني، عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب. وقد أدى هذا الانسحاب، وما تبعه من فرض “حملة الضغط الأقصى” على طهران، إلى تدهور كبير في العلاقات وتراجع إيران عن بعض التزاماتها النووية. ومع تولي إدارة الرئيس جو بايدن، أعلنت واشنطن عن رغبتها في العودة إلى الاتفاق، شريطة التزام إيران الكامل، وهو ما أطلق جولات من المفاوضات غير المباشرة في فيينا.
إن منح الحصانة لمسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى يعد مؤشراً على الحاجة الملحة لتجاوز العقبات اللوجستية والقانونية التي تعيق التقدم الدبلوماسي. ففي ظل العقوبات الأمريكية التي تستهدف العديد من المسؤولين الإيرانيين، يصبح السفر والمشاركة في المحادثات الدولية محفوفاً بالمخاطر. هذه الحصانة، وإن كانت غير رسمية، تمثل حلاً براغماتياً لتمكين الحوار المباشر، الذي يُعد ضرورياً للتوصل إلى تفاهمات حول القضايا المعقدة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
من جانبها، أعربت وزارة الخارجية الإيرانية مراراً عن عدم ثقتها في الدبلوماسية الأمريكية، مشيرة إلى سجل من التوتر والمواجهة. وقد أكدت طهران على أن عراقجي، بصفته مسؤولاً دبلوماسياً، يجب أن يحظى بالاحترام الكامل لدوره، وأن أي محاولة لتقويض مكانته الدبلوماسية ستؤثر سلباً على مسار المفاوضات. هذا التخوف الإيراني يعكس عمق الشكوك المتبادلة التي يجب على الدبلوماسية تجاوزها.
تداعيات هذه المفاوضات، والخطوات الدبلوماسية مثل منح الحصانة، تتجاوز حدود البلدين. فعلى الصعيد الإقليمي، تتابع دول الخليج وإسرائيل بقلق بالغ مسار المحادثات، معبرة عن مخاوفها بشأن برنامج إيران النووي وتأثيره على الاستقرار الإقليمي. أي اتفاق جديد أو إحياء للاتفاق القديم سيكون له تأثيرات كبيرة على موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط. أما دولياً، فإن المجتمع الدولي، وخاصة الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق، ترى في إحياء الاتفاق النووي خطوة حاسمة نحو تعزيز نظام عدم الانتشار النووي وتخفيف التوترات في منطقة حيوية للعالم. هذه الخطوة، وإن كانت غير تقليدية، تؤكد على الأهمية القصوى التي توليها الأطراف المعنية لمنع التصعيد وإيجاد حل دبلوماسي لأحد أكثر الملفات تعقيداً على الساحة الدولية.




