الشرع يتجاهل صحفياً إسرائيلياً: رسالة سياسية من برلين

أثار تجاهل الرئيس السوري أحمد الشرع لصحفي إسرائيلي خلال مؤتمر صحفي مشترك مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في برلين موجة واسعة من التساؤلات والتعليقات، وتحول إلى حدث سياسي بحد ذاته. وقد وقع الحادث عندما حاول الصحفي الإسرائيلي توجيه سؤال للرئيس السوري، معرفاً بنفسه وبانتمائه لتلفزيون إسرائيلي، ومستفسراً عما إذا كان بإمكانه طرح سؤال واحد فقط يتعلق بإسرائيل. إلا أن الشرع لم يلتفت إليه وغادر القاعة دون أي رد، مما دفع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى شن حملة انتقادات ضد الرئيس السوري.
لم يكن هذا التجاهل مجرد رد فعل عابر، بل اعتبره الكثيرون، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي، موقفاً سياسياً مدروساً ورسالة دبلوماسية مقصودة. ففي سياق العلاقات المتوترة والمعقدة بين سوريا وإسرائيل، والتي تتسم بحالة حرب رسمية وعدم وجود أي علاقات دبلوماسية، يحمل أي تفاعل، أو عدم تفاعل، بين ممثلين عن الدولتين دلالات عميقة. لطالما كانت مرتفعات الجولان المحتلة نقطة محورية في هذا الصراع، وتظل القضية الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من الخطاب السياسي السوري.
تاريخياً، شهدت العلاقات السورية الإسرائيلية صراعات عسكرية متعددة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، أبرزها حرب عام 1967 التي أدت إلى احتلال إسرائيل للجولان، وحرب أكتوبر 1973. ورغم توقيع اتفاقيات فض الاشتباك، لم يتم التوصل إلى معاهدة سلام شاملة. هذا الوضع التاريخي يفسر حساسية أي تواصل مباشر أو غير مباشر، ويجعل من “لغة الصمت” أداة دبلوماسية قوية للتعبير عن موقف سياسي راسخ، خاصة في محفل دولي كبرلين، حيث تتجه الأنظار إلى تصرفات القادة.
إن هذا الموقف من الرئيس السوري يمكن تفسيره على أنه تأكيد لرفض سوريا التطبيع مع إسرائيل، أو حتى الاعتراف بوجودها كدولة، في ظل استمرار الاحتلال للأراضي السورية والعربية. كما أنه يعكس استمرار التزام دمشق بموقفها التقليدي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، والذي يرى في إسرائيل كياناً محتلاً. هذه الرسالة موجهة ليس فقط للصحفي الإسرائيلي أو لوسائل الإعلام، بل أيضاً للمجتمع الدولي وللجمهور العربي الذي يتابع عن كثب أي تطورات في هذا الملف الحساس.
على الصعيد الإقليمي، قد يُنظر إلى هذا التجاهل على أنه محاولة من سوريا لإعادة تأكيد مكانتها ومواقفها في المنطقة، خاصة بعد سنوات من الصراع الداخلي الذي أثر على دورها الإقليمي. وقد يلقى هذا الموقف صدى إيجابياً لدى بعض الفصائل والدول التي تتبنى مواقف مشابهة تجاه إسرائيل، بينما قد يثير انتقادات من دول أخرى تسعى إلى مسارات مختلفة في التعامل مع القضية. دولياً، قد يُفسر الموقف على أنه تحدٍ للدبلوماسية التقليدية، ولكنه في الوقت نفسه يعكس تعقيدات المشهد السياسي في الشرق الأوسط.
في الختام، يمثل تجاهل الرئيس السوري أحمد الشرع للصحفي الإسرائيلي في برلين أكثر من مجرد حادثة عابرة في مؤتمر صحفي. إنه فعل دبلوماسي يحمل في طياته رسائل سياسية عميقة، تؤكد على استمرارية الموقف السوري تجاه إسرائيل والصراع في المنطقة، وتلقي الضوء على التوترات التاريخية والجغرافية التي لا تزال تشكل ملامح المشهد السياسي في الشرق الأوسط.




