واشنطن بوست: استراتيجية ترامب لإنهاء التوتر مع إيران دون اتفاق

قدمت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تحليلاً معمقاً يستعرض رؤية لكيفية إنهاء حالة التوتر والصراع غير المباشر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وذلك بطريقة حاسمة تحقق المصالح الأمريكية دون الحاجة إلى التوصل لاتفاق تفاوضي رسمي. يأتي هذا الطرح في سياق سياسة الضغط الأقصى التي تبنتها الإدارة الأمريكية السابقة، والتي سعت لإجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي وبرنامجها النووي والصاروخي.
خلفية التوتر الأمريكي-الإيراني وسياسة الضغط الأقصى
تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى عقود مضت، وتحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979. وقد شهدت العلاقات بين البلدين فترات من التصعيد والتصالح النسبي، كان أبرزها التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). إلا أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انسحب من هذا الاتفاق في مايو 2018، معتبراً إياه معيباً ولا يعالج بشكل كافٍ برنامج إيران الصاروخي أو نفوذها الإقليمي.
عقب الانسحاب، فرضت إدارة ترامب حملة «الضغط الأقصى» التي شملت عقوبات اقتصادية واسعة النطاق استهدفت قطاعات حيوية في الاقتصاد الإيراني، لا سيما النفط والبنوك. أدت هذه السياسة إلى تصاعد حاد في التوترات الإقليمية، وشملت حوادث مثل استهداف ناقلات النفط في الخليج، وإسقاط طائرة مسيرة أمريكية، وهجمات على منشآت نفطية سعودية، واغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في يناير 2020، ورد إيران بقصف قواعد عسكرية أمريكية في العراق. هذه الأحداث رسمت ملامح «حرب الظل» التي تشير إليها «واشنطن بوست».
رؤية مارك تيسن: فرض الشروط أحادياً
اعتمد الكاتب الصحفي مارك تيسن، المدير السابق لكتابة الخطابات في البيت الأبيض، في تحليله المنشور بالصحيفة، على خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير الذي هدد فيه بأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع قادة إيران «الباقين على قيد الحياة» خلال أسابيع قليلة، فإنه سيعيد إيران إلى «العصور الحجرية». يرى تيسن أن ترامب لا يحتاج إلى اتفاق رسمي أو تفاوضي لإحراز ما يعتبره نصراً، بل يمكنه فرض شروطه بشكل أحادي الجانب، بدلاً من انتظار موافقة إيران على الشروط التي تضعها واشنطن.
تتضمن هذه الرؤية، التي لم تفصل الصحيفة خطواتها الخمس بشكل مباشر في هذا السياق، فكرة أن الولايات المتحدة يمكنها استخدام قوتها الاقتصادية والعسكرية لفرض واقع جديد على الأرض، يجبر إيران على التراجع عن طموحاتها النووية والصاروخية، وتقليص نفوذها الإقليمي. قد يشمل ذلك تشديد العقوبات بشكل غير مسبوق، أو اتخاذ إجراءات عسكرية محدودة وموجهة، أو دعم المعارضة الداخلية، بهدف إضعاف النظام الإيراني وإجباره على الاستسلام لشروط واشنطن دون الحاجة إلى جلوس على طاولة المفاوضات.
التأثيرات المتوقعة لاستراتيجية أحادية الجانب
إن تبني استراتيجية أحادية الجانب لإنهاء التوتر مع إيران يحمل في طياته تداعيات إقليمية ودولية واسعة. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي هذا النهج إلى زيادة حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، حيث يمكن أن تتفاعل القوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات وإسرائيل بشكل مختلف مع هذا الضغط، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري أوسع أو تغيير في التحالفات. كما أن مصير الجماعات الوكيلة لإيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن سيكون على المحك، ما قد يؤثر على توازن القوى في هذه الدول.
أما دولياً، فإن فرض الشروط أحادياً قد يضع الولايات المتحدة في مواجهة مع القوى الكبرى الأخرى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، التي قد لا تتفق مع هذا النهج وتفضل الحلول الدبلوماسية والتفاوضية. هذا قد يؤثر على أسعار النفط العالمية واستقرار الأسواق، ويزيد من تعقيد الجهود الدولية لمكافحة انتشار الأسلحة النووية. كما أن شرعية أي إجراءات تتخذها واشنطن دون دعم دولي واسع قد تكون موضع تساؤل.
في الختام، يمثل تحليل «واشنطن بوست» ورؤية مارك تيسن حول كيفية إنهاء التوتر مع إيران دون اتفاق رسمي، طرحاً جريئاً يعكس جانباً من الفكر الاستراتيجي الأمريكي الذي يميل إلى القوة والضغط بدلاً من الدبلوماسية التقليدية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر وفرص على حد سواء في مشهد جيوسياسي معقد.




