ترمب يسعى لاتفاق شامل مع إيران: النووي، الصواريخ، والنفوذ الإقليمي

في ظل مشهد دولي يتسم بالحذر وتصاعد التوترات الإقليمية، ومع ترقب الأنظار لأي مسار تفاوضي محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، أكد نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، أن بلاده تسعى جاهدة للتوصل إلى اتفاق شامل مع طهران. وأشار بنس إلى أن هناك بوادر اهتمام من الجانب الإيراني بالمضي قدماً في هذا الاتجاه، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا الاتفاق ومداه.
تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي معقد للعلاقات الأمريكية الإيرانية. فبعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، الصين، وألمانيا)، والذي كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات، انسحبت إدارة الرئيس دونالد ترمب أحادياً من الاتفاق في مايو 2018. بررت الإدارة الأمريكية انسحابها بأن الاتفاق كان معيباً ولا يعالج بشكل كافٍ قضايا حيوية مثل برنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة، وانتهاكات حقوق الإنسان. ومنذ ذلك الحين، تبنت واشنطن سياسة “الضغط الأقصى” التي تضمنت إعادة فرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران بهدف دفعها إلى طاولة المفاوضات لاتفاق جديد وأكثر شمولية.
وخلال كلمة ألقاها في جامعة جورجيا، شدد بنس على أن وقف التصعيد الحالي لا يعني التخلي عن استمرارية المفاوضات. وأوضح أن الرئيس دونالد ترمب يفضل اتفاقاً أوسع نطاقاً بكثير، يتناول مختلف القضايا التي تعتبرها واشنطن محورية. هذا الاتفاق “الكبير” الذي تتحدث عنه الإدارة الأمريكية لا يقتصر على الجانب النووي فحسب، بل يمتد ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والميليشيات في العراق وسوريا، بالإضافة إلى قضايا حقوق الإنسان الداخلية في إيران. الهدف هو كبح جماح النفوذ الإيراني الإقليمي والحد من قدرتها على تمويل هذه الجماعات.
إن أهمية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق الشامل تتجاوز حدود البلدين لتشمل المنطقة والعالم بأسره. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يساهم اتفاق كهذا في تخفيف حدة التوترات التي تشهدها منطقة الخليج العربي، والتي تصاعدت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مهددة أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية. كما أنه قد يؤثر على ديناميكيات القوى في الشرق الأوسط، ويؤمن مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل تراقب عن كثب هذه التطورات، حيث تتأثر بشكل مباشر بالسياسات الإيرانية.
أما على الصعيد الدولي، فإن اتفاقاً يحد من انتشار الأسلحة النووية ويعالج قضايا الصواريخ الباليستية يمكن أن يعزز نظام عدم الانتشار العالمي. كما أن استقرار منطقة الشرق الأوسط له تداعيات اقتصادية وسياسية عالمية واسعة. ومع ذلك، فإن تحقيق مثل هذا الاتفاق يواجه تحديات جمة، أبرزها انعدام الثقة العميق بين واشنطن وطهران، ومطالب إيران برفع جميع العقوبات، بالإضافة إلى موقف الدول الأوروبية والصين وروسيا التي لا تزال تدعم الاتفاق النووي الأصلي. يبقى المسار نحو اتفاق “كبير” محفوفاً بالصعوبات، لكن الإدارة الأمريكية تظل متمسكة برؤيتها لحل شامل يضمن أمن المنطقة والعالم.




