أخبار إقليمية

توتر أذربيجان وإيران: سقوط مسيرات يهدد استقرار القوقاز

شهدت العلاقات بين أذربيجان وإيران تصعيدًا حادًا مؤخرًا، إثر حادثة سقوط طائرات مسيّرة مجهولة الهوية داخل إقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني، المحاذي للحدود الإيرانية. هذا التطور الخطير دفع باكو إلى التلويح بإجراءات «ثأرية» لم تُكشف تفاصيلها بعد، مما أثار قلقًا واسعًا من احتمال اتساع رقعة الصراع في منطقة جنوب القوقاز، المعروفة بحساسيتها الجيوسياسية البالغة.

تتسم العلاقة بين هاتين الدولتين بتعقيدات تاريخية وجيوسياسية عميقة، تتجاوز الروابط الثقافية والدينية المشتركة. فبالرغم من أن أذربيجان وإيران تشتركان في تراث شيعي غني ووجود عدد كبير من الأذربيجانيين الإثنيين في شمال إيران، إلا أن هذه الروابط لم تمنع نشوء توترات متكررة. تاريخيًا، كانت المنطقة جزءًا من الإمبراطوريات الفارسية والروسية، وشهدت تحولات جيوسياسية كبرى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى استقلال أذربيجان وتشكيل هويتها الوطنية الحديثة. تنظر طهران بعين الريبة إلى التقارب المتزايد بين أذربيجان وإسرائيل وتركيا، وتخشى من تداعيات هذا التحالف على أمنها القومي. لطالما أبدت إيران قلقها من احتمال استخدام الأراضي الأذربيجانية كمنصة لعمليات استخباراتية إسرائيلية قرب حدودها، فضلاً عن مخاوفها من تنامي المشاعر القومية التركية (القومية الطورانية) التي قد تؤثر على أقليتها الأذربيجانية الكبيرة داخل إيران.

لقد أدت تداعيات حرب ناغورنو قره باغ عام 2020، التي استعادت فيها أذربيجان أراضيها بدعم تركي قوي، إلى إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة بشكل جذري. لم تكن إيران مرتاحة لهذه التغييرات، خاصة فيما يتعلق بمشروع ممر زنغزور المقترح. يهدف هذا الممر إلى ربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية، وهو ما تعتبره طهران تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية. فالممر قد يقطع حدود إيران البرية مع أرمينيا، ويغير مسارات التجارة والنفوذ الإقليمي، ويمنح تركيا وأذربيجان نفوذًا أكبر على حساب إيران وروسيا في المنطقة. هذه التطورات مجتمعة ساهمت في خلق مناخ من عدم الثقة وتصعيد التوترات الأمنية، حيث ترى إيران في أي تغييرات حدودية أو جيوسياسية محتملة مساسًا بأمنها ومكانتها الإقليمية.

في رد فعل قوي على الحادث، أكد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، خلال اجتماع لمجلس الأمن، أن بلاده «لن تتسامح مع هذا العمل الإرهابي والعدواني غير المبرر»، في إشارة واضحة إلى سقوط المسيرات داخل أراضي بلاده. وفي خطوة دبلوماسية حاسمة، استدعت الحكومة الأذربيجانية السفير الإيراني في باكو لتقديم احتجاج رسمي، مشيرة إلى أن القوات المسلحة الأذربيجانية «في حالة استعدادات قتالية قصوى لتنفيذ أي عمليات مطلوبة» لحماية سيادة البلاد.

من جانبها، نفت طهران بشدة أي تورط لها في حادث سقوط الطائرات المسيرة، واصفة الاتهامات بالباطلة. وبدلاً من ذلك، وجهت السلطات الإيرانية أصابع الاتهام إلى إسرائيل، متهمة إياها بتدبير مثل هذه الحوادث بهدف زعزعة استقرار المنطقة وإثارة الفتنة بين الدول المتجاورة. هذا الاتهام المتبادل يسلط الضوء على الصراع الجيوسياسي الأوسع في الشرق الأوسط وجنوب القوقاز، حيث ترى إيران النفوذ الإسرائيلي المتزايد في المنطقة، وخاصة في أذربيجان، تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومحاولة لتطويقها.

تكتسب منطقة جنوب القوقاز أهمية استراتيجية بالغة، فهي تمثل نقطة عبور حيوية لخطوط أنابيب الطاقة التي تنقل النفط والغاز من بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية، وطرق التجارة التي تربط أوروبا بآسيا (الممر الأوسط). كما أنها تحد قوى إقليمية ودولية كبرى مثل روسيا وتركيا وإيران، ولكل منها مصالحها المتضاربة في المنطقة. إن أي تصعيد للتوترات بين أذربيجان وإيران يمكن أن تكون له عواقب وخيمة تتجاوز الحدود الثنائية. على الصعيد الإقليمي، قد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار دول الجوار مثل أرمينيا وجورجيا، وربما يجر أطرافًا خارجية ذات مصالح متضاربة إلى الصراع، مما يحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة. دوليًا، يمكن أن يؤدي تعطيل إمدادات الطاقة العالمية إلى ارتفاع الأسعار وتأثيرات اقتصادية سلبية واسعة النطاق، خاصة في أوروبا التي تسعى لتنويع مصادر طاقتها بعيدًا عن روسيا.

يُراقب المجتمع الدولي الوضع عن كثب، وتدعو العديد من الدول والمنظمات الدولية إلى ضبط النفس وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة. فالتصعيد العسكري في هذه المنطقة الحساسة قد تكون له تداعيات اقتصادية وإنسانية كارثية، ويُهدد بفتح جبهة جديدة للصراع في عالم يعاني بالفعل من أزمات متعددة. يبقى الأمل معلقًا على الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر وإيجاد حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة وأمن شعوبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى