حاكم المركزي الكندي: عصر التجارة الحرة مع واشنطن انتهى
نهاية حقبة اقتصادية راسخة
في تصريح يعكس تحولاً جذرياً في العلاقات الاقتصادية الدولية، حذر حاكم المصرف المركزي الكندي، تيف ماكلم، من أن عصر العلاقات التجارية المفتوحة والقائمة على قواعد واضحة مع الولايات المتحدة قد “ولّى وانتهى”. هذا التحذير لا يمثل مجرد رأي عابر، بل هو إقرار بواقع جديد يتشكل على الساحة العالمية، حيث تتجه السياسات الأمريكية نحو الحمائية والانعزالية، مما يهدد بتصدّع النظام الاقتصادي العالمي الذي ساد لعقود.
خلفية تاريخية من الشراكة والتوتر
تاريخياً، شكلت العلاقة بين كندا والولايات المتحدة نموذجاً للشراكة الاقتصادية العميقة، المبنية على اتفاقيات تجارية مثل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا). هذا النظام، الذي تأسس على مبادئ منظمة التجارة العالمية، ضمن تدفقاً سلساً للسلع والخدمات، ووفر بيئة مستقرة للشركات والمستثمرين. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تآكلاً لهذا النهج، خاصة مع صعود خطاب “أمريكا أولاً” الذي تبنته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي تجلى في فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم من حلفاء مقربين، بما في ذلك كندا، وإعادة التفاوض الشاقة على اتفاقية نافتا التي استُبدلت باتفاقية (USMCA).
ولم تكن هذه التوترات جديدة تماماً، فقد سبق وأن شهدت العلاقات تصعيداً كلامياً حاداً. ففي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، دعا محافظ بنك إنجلترا آنذاك، الكندي مارك كارني، القوى المتوسطة إلى التكاتف في وجه قوى “الهيمنة”، في إشارة ضمنية للسياسات الأمريكية. هذا الموقف أثار حفيظة الرئيس ترامب الذي رد عليه مباشرة بالقول: “إن كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة”، مهدداً بفرض رسوم جمركية عقابية إذا أبرمت أوتاوا اتفاقاً تجارياً مع الصين.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة للتحول الجديد
تأتي تصريحات ماكلم لتؤكد أن هذا التحول ليس مؤقتاً، بل هو تغيير هيكلي في السياسة الأمريكية يمتد عبر الإدارات المختلفة. هذا الواقع الجديد يحمل في طياته تداعيات عميقة على مختلف الأصعدة:
- على الصعيد المحلي الكندي: تعتمد كندا بشكل كبير على التجارة مع جارتها الجنوبية، حيث يذهب أكثر من 75% من صادراتها إلى الولايات المتحدة. التحول نحو علاقات تجارية غير متوقعة يجبر أوتاوا على تسريع جهودها لتنويع شركائها التجاريين، وتعزيز اتفاقيات مثل اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي (CETA) والشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية المتقلبة.
- على الصعيد الإقليمي: يضع هذا التغيير ضغوطاً على سلاسل التوريد المتكاملة في أمريكا الشمالية، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى الشركات التي بنت استثماراتها على أساس قواعد تجارية مستقرة، مما قد يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي في المنطقة.
- على الصعيد الدولي: يعتبر تحذير ماكلم، الصادر عن محافظ بنك مركزي لدولة من مجموعة السبع، بمثابة جرس إنذار عالمي. إنه يعزز المخاوف من تفكك النظام الاقتصادي العالمي إلى تكتلات متنافسة، تقودها اعتبارات جيوسياسية بدلاً من المبادئ الاقتصادية. هذا التصدع يهدد بزيادة التضخم العالمي، وإبطاء النمو الاقتصادي، وتقويض قدرة المجتمع الدولي على مواجهة التحديات المشتركة مثل تغير المناخ والأوبئة.


