أخبار محلية

المحالة في جناح الباحة: رحلة عبر التراث الزراعي بواحة الأمن

يواصل جناح إمارة منطقة الباحة جذب الزوار في معرض "واحة الأمن"، الذي تنظمه وزارة الداخلية بالتزامن مع فعاليات مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل، حيث يسلط الضوء على جانب أصيل من الهوية السعودية يتمثل في التراث الزراعي العريق للمنطقة. ويبرز الجناح من خلال معرضه التراثي المصغر "المحّالة" (أو المحاحيل)، وهي الأداة الهندسية التي كانت عصب الحياة الزراعية قديماً، ليعيد للأذهان صور الكفاح الأول للأجداد في تأمين المياه واستصلاح الأراضي.

هندسة مائية من عمق التاريخ

تُعد "المحّالة" شاهداً حياً على البراعة الهندسية القديمة في منطقة الباحة، وهي عبارة عن دولاب خشبي ضخم يُصنع عادة من خشب الأثل المتين ليتحمل قسوة المناخ وضغط العمل المستمر. وتتميز المحالة بشكلها الأسطواني المسنن الذي يدور حول محور خشبي يُعرف بـ"القطب". ولم تكن هذه الأداة مجرد قطعة خشبية، بل كانت القلب النابض لنظام "السواني"، وهو النظام التقليدي المتكامل لاستخراج المياه من الآبار العميقة قبل ظهور المضخات الحديثة.

آلية عمل السواني.. تكامل بين الإنسان والحيوان

يقدم الجناح شرحاً تفصيلياً لآلية عمل المحالة ضمن نظام السواني، حيث كانت تُدار بواسطة الجمال أو الثيران المدربة. وتعمل المحالة كبكرة عملاقة يلتف حولها الحبل السميك المعروف بـ"الرشا"، لرفع الدلو الجلدي (الغرب) من قاع البئر. وتبدأ العملية عندما تبتعد الجمال عن فوهة البئر ساحبة الحبل، ليرتفع الماء ويصب في حوض تجميع يُسمى "القِف"، ومنه ينساب عبر قنوات أرضية دقيقة تُعرف بـ"الفلج" لتصل إلى المدرجات الزراعية، في مشهد يعكس دقة التنظيم المائي الذي ضمن استدامة الزراعة لقرون.

سيمفونية الأرض.. صرير المحالة وأهازيج المزارعين

لا يكتفي المعرض بعرض الأداة صامتة، بل يستحضر الأجواء الصوتية التي كانت تملأ المزارع قديماً. فدوران المحالة يصدر صريراً مميزاً كان بمثابة موسيقى يومية للمزارعين، يتناغم مع صوت "الإلساني" (الرجل القائم على السقاية) وهو يوجه الجمال. وارتبطت هذه العملية بموروث شفهي غني من الأهازيج والأغاني التراثية التي كانت تخفف عناء العمل، وتدور موضوعاتها حول الدعاء بطلب الغيث والبركة، ومن أشهرها أهزوجة "سقى الله ذلك المسقي"، التي تعبر عن الارتباط الروحي بين المزارع وأرضه.

توثيق التراث للأجيال القادمة

تكمن أهمية عرض "المحالة" في معرض "واحة الأمن" ومهرجان الملك عبدالعزيز للإبل في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، وربطهم بجذورهم التاريخية. ويستخدم القائمون على الجناح التقنيات الحديثة والشاشات الرقمية لعرض مواد توثيقية ومشاهد حية لأعمال السقاية القديمة، مما يجسد تلاقى الأصالة مع الحداثة، ويؤكد على أن الأمن الغذائي والمائي كان ولا يزال ركيزة أساسية في استقرار المجتمعات وتطورها.

زر الذهاب إلى الأعلى