أذربيجان تسحب دبلوماسييها من إيران بعد هجوم المسيرات | تحليل وتداعيات

في خطوة تعكس تصعيداً خطيراً في العلاقات الثنائية، أعلنت أذربيجان يوم الجمعة سحب دبلوماسييها وموظفيها من سفارتها في طهران وقنصليتها العامة في تبريز. جاء هذا القرار الحاسم، الذي أعلنه وزير الخارجية الأذربيجاني جيهون بيراموف، بعد يوم واحد من اتهام باكو لإيران بشن هجوم بطائرات مسيرة. ووفقاً للبيان الأذربيجاني، عبرت أربع طائرات مسيرة إيرانية الحدود وأصابت أربعة أشخاص في جيب ناخيتشفان، مما أثار غضباً واسعاً في باكو.
وقد وصف الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف الهجوم بأنه “عمل إرهابي وعدواني لا مبرر له”، مؤكداً أنه أصدر تعليمات صريحة لجيشه بالتحضير لتدابير انتقامية وتنفيذها. كما استدعت أذربيجان السفير الإيراني لديها، مشددة على أن هذا الهجوم لن يمر “بدون رد”. هذه التطورات تشير إلى مرحلة جديدة من التوتر بين البلدين الجارين، وتضع المنطقة على حافة تصعيد محتمل.
تتسم العلاقات بين أذربيجان وإيران بتاريخ طويل ومعقد، يمزج بين الروابط الثقافية والدينية العميقة والتنافس الجيوسياسي الحاد. يشترك البلدان في حدود طويلة وتاريخ مشترك، وكلاهما ذو غالبية شيعية. ومع ذلك، فإن الاختلافات الأيديولوجية بين أذربيجان العلمانية وإيران الإسلامية، بالإضافة إلى علاقات باكو المتنامية مع إسرائيل، التي تعتبرها طهران عدواً لدوداً، لطالما كانت مصدراً للتوتر. كما أن وجود أقلية أذرية كبيرة في إيران يثير قلق طهران من أي محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي أو التأثير الخارجي.
تصاعدت هذه التوترات بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، خاصة بعد انتصار أذربيجان في حرب ناغورنو قره باغ الثانية عام 2020، بدعم تركي وإسرائيلي. هذا الانتصار غير موازين القوى الإقليمية وأثار مخاوف إيران بشأن نفوذها في القوقاز الجنوبي، لا سيما مع الحديث عن ممر “زانغيزور” الذي قد يربط أذربيجان بجمهورية ناخيتشفان ذاتية الحكم عبر أراضي أرمينيا، وهو ما تعتبره طهران تهديداً لمصالحها الجيوسياسية. وقد أجرت إيران مناورات عسكرية واسعة النطاق بالقرب من الحدود الأذربيجانية في مناسبات متعددة، في استعراض للقوة أثار قلق باكو.
إن تداعيات هذا التصعيد قد تكون وخيمة على الاستقرار الإقليمي والدولي. فالقوقاز الجنوبي منطقة استراتيجية حساسة، وأي مواجهة عسكرية بين إيران وأذربيجان يمكن أن تجذب قوى إقليمية ودولية أخرى مثل تركيا وروسيا وإسرائيل، مما يحول الصراع إلى أزمة أوسع. على الصعيد الاقتصادي، قد يؤثر التوتر على طرق التجارة وإمدادات الطاقة في المنطقة. دبلوماسياً، قد يؤدي سحب الدبلوماسيين إلى قطع كامل للعلاقات، مما يقلل من فرص الحل السلمي.
من جانبها، لم تعلن إيران مسؤوليتها عن الهجوم المزعوم، وغالباً ما توجه طهران اتهامات إلى قوى خارجية، لا سيما إسرائيل والولايات المتحدة، بمحاولة زعزعة استقرار المنطقة والتحريض على الصراعات. وقد أعربت إيران في السابق عن قلقها من الأنشطة الإسرائيلية المزعومة على حدودها الشمالية، والتي قد تستخدم الأراضي الأذربيجانية كمنصة.
في الختام، يمثل سحب أذربيجان لدبلوماسييها من إيران نقطة تحول خطيرة في العلاقات بين البلدين. يتطلب الوضع الحالي أقصى درجات ضبط النفس من جميع الأطراف المعنية، والتدخل الدبلوماسي الفوري من المجتمع الدولي لمنع المزيد من التصعيد وضمان استقرار هذه المنطقة الحيوية.




