القبض على جاسوس الهرموش: عملية استخباراتية تركية-سورية

في تطور أمني لافت، أعلنت مصادر استخباراتية تركية وسورية عن نجاح عملية مشتركة معقدة أدت إلى كشف لغز اختفاء المقدم حسين الهرموش، أحد أبرز الضباط المنشقين عن نظام بشار الأسد في بداية الأزمة السورية. وقد أسفرت هذه العملية النوعية عن القبض على الجاسوس المتهم بتسليم الهرموش إلى النظام السوري، منهية بذلك سنوات من التكهنات والبحث عن الحقيقة وراء مصير هذا الضابط الرمز.
وذكرت وسائل إعلام تركية وسورية أن العملية الاستخباراتية، التي نُفذت بتنسيق دقيق ومتابعة حثيثة، أسفرت عن توقيف المدعو أوندر سيغيرجيك (Onder Sigerjik) أثناء محاولته عبور الحدود السورية التركية. ويُعتقد أن سيغيرجيك كان متخفياً لسنوات طويلة، تجاوزت العقد من الزمان، قبل أن يتم الإيقاع به في هذه العملية التي وصفت بالمعقدة والدقيقة.
يُعد المقدم حسين الهرموش شخصية محورية في تاريخ الثورة السورية، حيث كان أول ضابط رفيع المستوى يعلن انشقاقه عن الجيش السوري في يونيو 2011، وذلك في الأيام الأولى للاحتجاجات السلمية التي تحولت لاحقاً إلى صراع مسلح. انشقاق الهرموش، الذي كان قائداً لوحدة عسكرية في جسر الشغور، جاء احتجاجاً على قمع النظام للمتظاهرين السلميين، وشكل صدمة قوية للنظام السوري في ذلك الوقت، ومصدر إلهام للعديد من الضباط والجنود الآخرين الذين حذوا حذوه لاحقاً.
بعد انشقاقه، لجأ الهرموش إلى تركيا، حيث حاول تنظيم صفوف المنشقين وتشكيل نواة لجيش سوري حر. إلا أن مصيره اتخذ منعطفاً مأساوياً في أغسطس 2011، عندما اختفى في ظروف غامضة من الأراضي التركية. تشير التقارير إلى أنه تم استدراجه عبر عملاء مزدوجين، واختطافه وتسليمه لاحقاً إلى المخابرات السورية، حيث ظهر في تسجيل مصور بثه التلفزيون السوري الرسمي، قبل أن يختفي تماماً. هذه الحادثة أثارت حينها جدلاً واسعاً وشكوكاً حول اختراق أمني كبير، وألقت بظلالها على العلاقات التركية السورية، وأثرت على ثقة المعارضة السورية في حماية تركيا.
يمثل القبض على أوندر سيغيرجيك خطوة مهمة نحو كشف ملابسات اختفاء الهرموش وتقديم المسؤولين عن هذه الجريمة للعدالة. على الصعيد المحلي والإقليمي، تحمل هذه العملية دلالات متعددة:
- على المستوى التركي: تؤكد العملية على قدرة الاستخبارات التركية على تتبع وملاحقة المتورطين في قضايا أمنية حساسة، حتى بعد مرور سنوات طويلة. كما أنها قد تعزز ثقة المعارضة السورية المقيمة في تركيا، وتؤكد على التزام أنقرة بدعم قضايا العدالة المتعلقة بالصراع السوري.
- على مستوى المعارضة السورية: يمثل هذا التطور بارقة أمل لعائلات آلاف المعتقلين والمختفين قسراً في سوريا، وقد يفتح الباب أمام الكشف عن مصير شخصيات أخرى اختفت في ظروف مشابهة. كما أنه يعيد تسليط الضوء على قضية العملاء والجواسيس الذين يعملون لصالح أطراف مختلفة في الصراع السوري.
- على الصعيد القضائي: تم تسليم المتهم إلى السلطات القضائية التركية في أنقرة، بالتنسيق مع مكتب المدعي العام لمكافحة الإرهاب ومديرية مكافحة الإرهاب، تمهيداً لاستكمال التحقيقات اللازمة. من المتوقع أن تكشف التحقيقات عن تفاصيل جديدة حول شبكة التجسس التي عمل بها سيغيرجيك، وكيفية تنفيذ عملية اختطاف الهرموش، والأطراف الأخرى المتورطة. قد تسهم هذه المعلومات في فهم أعمق للعمليات الاستخباراتية المعقدة التي جرت خلال سنوات الصراع.
إن إعادة فتح ملف الهرموش بهذه الطريقة، بعد أكثر من عقد من الزمن، يؤكد أن قضايا العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الجهود مستمرة لكشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين، مهما طال الزمن. هذه العملية قد تكون بداية لسلسلة من التحقيقات التي تعيد إحياء قضايا أخرى عالقة تتعلق بالصراع السوري وتداعياته الأمنية.




