الحوثيون يفتعلون الأزمات للتغطية على عجز صرف الرواتب

تتصاعد وتيرة الأحداث في اليمن والمنطقة المحيطة بها، حيث يبدو أن جماعة الحوثي تتبع استراتيجية واضحة تقوم على مبدأ “تصدير الأزمات”. ففي الوقت الذي يعاني فيه ملايين اليمنيين في مناطق سيطرتهم من انهيار اقتصادي وتوقف شبه تام لصرف مرتبات موظفي القطاع العام، يلجأ الحوثيون إلى افتعال أزمات خارجية بهدف صرف الأنظار عن فشلهم الإداري والاقتصادي العميق. هذه السياسة لا تهدف فقط إلى التغطية على العجز، بل تسعى أيضاً إلى حشد الدعم الداخلي تحت شعارات المقاومة والمواجهة مع قوى خارجية، محاولةً تحويل الغضب الشعبي من الداخل إلى الخارج.
جذور الأزمة: من الانقلاب إلى انهيار الخدمات
لفهم الأبعاد الحالية، لا بد من العودة إلى عام 2014 عندما سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة. منذ ذلك الحين، دخل اليمن في دوامة من الحرب الأهلية التي أدت إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم. أحد أبرز تجليات هذه الأزمة كان الانقسام المالي والنقدي، خصوصاً بعد نقل عمليات البنك المركزي اليمني إلى عدن. أدى هذا الانقسام إلى توقف صرف رواتب مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة الحوثيين، مما فاقم من معاناة المواطنين الذين يعتمدون على هذه الرواتب كمصدر دخل أساسي. ورغم سيطرة الجماعة على موارد اقتصادية هائلة من ضرائب وجمارك في الموانئ والمناطق التي تسيطر عليها، إلا أن هذه الإيرادات لم تُوجّه لتحسين الوضع المعيشي أو صرف المرتبات، بل تم تسخيرها لدعم المجهود الحربي وتمويل عملياتها العسكرية.
تصدير الفشل: كيف الحوثيون يفتعلون الأزمات في البحر الأحمر؟
أمام السخط الشعبي المتزايد والعجز التام عن توفير أبسط الخدمات الأساسية، وجدت جماعة الحوثي في التصعيد الخارجي مخرجاً مثالياً. فمن خلال شن هجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب تحت ذرائع مختلفة، تمكنت الجماعة من تحقيق عدة أهداف. أولاً، نجحت في تحويل الانتباه الإعلامي المحلي والدولي من الأزمة الإنسانية والاقتصادية الداخلية إلى مواجهة بحرية مع قوى عالمية. ثانياً، استخدمت هذا التصعيد كأداة لتعزيز شرعيتها المزعومة كمحور للمقاومة في المنطقة، مما يساعدها على تجنيد المزيد من المقاتلين وتبرير قبضتها الأمنية المشددة على المجتمع. هذا التكتيك يعكس نمطاً متكرراً، حيث كلما اشتدت الضغوط الداخلية، زادت وتيرة المغامرات العسكرية الخارجية.
تداعيات إقليمية ودولية خطيرة
إن سياسة افتعال الأزمات التي ينتهجها الحوثيون لا تؤثر على اليمنيين فحسب، بل تمتد تداعياتها لتهدد استقرار المنطقة بأكملها والأمن العالمي. الهجمات في البحر الأحمر أدت إلى اضطراب خطير في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، مما رفع تكاليف الشحن والتأمين وأثر على سلاسل الإمداد العالمية. كما استدعى هذا التصعيد رداً عسكرياً دولياً بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، مما أدخل المنطقة في حلقة جديدة من العنف والمواجهة. وعلى الصعيد الإقليمي، يقوض هذا السلوك كل جهود السلام التي تبذلها الأمم المتحدة ودول الجوار لإنهاء الحرب في اليمن، حيث تستخدم الجماعة ورقة التصعيد البحري كورقة ضغط وابتزاز في أي مفاوضات مستقبلية، مما يعقد إمكانية التوصل إلى حل سياسي دائم.




