مقابر جماعية بدارفور: الجنائية الدولية تتهم الدعم السريع
وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات خطيرة لقوات الدعم السريع في السودان، كاشفةً عن أدلة تشير إلى ارتكابها “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” في إقليم دارفور، ومحاولتها إخفاء هذه الفظائع عبر دفن الضحايا في مقابر جماعية. جاء ذلك في إحاطة قدمتها نائب المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، أمام مجلس الأمن الدولي، مما يسلط الضوء مجدداً على الأزمة الإنسانية المتفاقمة غرب السودان.
خلفية الصراع وتاريخ العنف في دارفور
تأتي هذه الاتهامات في سياق الحرب المدمرة المندلعة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. إلا أن جذور العنف في دارفور أعمق من ذلك بكثير، حيث يعود الإقليم إلى الواجهة بعد عقدين من نزاع دموي بدأ في عام 2003، وشهد اتهامات واسعة بارتكاب جرائم إبادة جماعية. وتجدر الإشارة إلى أن قوات الدعم السريع تطورت من ميليشيات الجنجويد التي كانت الأداة الرئيسية في حملة القمع العنيفة التي شنتها حكومة الرئيس السابق عمر البشير في الإقليم، مما يثير مخاوف من تكرار نفس الأنماط الوحشية القائمة على أساس عرقي.
أدلة دامغة وجرائم ممنهجة
في إحاطتها، أكدت خان أن مكتب المدعي العام استند إلى مجموعة من الأدلة الموثوقة، بما في ذلك مواد صوتية ومرئية ولقطات حديثة من الأقمار الصناعية. وأوضحت أن هذه الأدلة “تشير إلى وقوع قتل جماعي وإلى محاولات إخفاء الجرائم عن طريق حفر مقابر جماعية”، خاصة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي شهدت حصاراً خانقاً وهجمات مكثفة من قبل قوات الدعم السريع خلال عام 2024.
وتدعم هذه النتائج تحليلات مستقلة، حيث أظهرت صور بالأقمار الصناعية حللتها وكالات دولية ومراكز بحثية مرموقة مثل مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل، ما يبدو أنها قبور جماعية وآثار لحرق جثث، مما يتوافق مع شهادات ناجين تحدثوا عن عمليات إعدام ميدانية واستهداف للمدنيين الفارين واستخدام العنف الجنسي كأداة حرب.
الأهمية والتأثير المتوقع
تكتسب تصريحات المحكمة الجنائية الدولية أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى المحلي، توثق هذه الأدلة حجم المأساة التي يعيشها سكان دارفور، وتزيد من عزلتهم ومعاناتهم. أما إقليمياً، فيفاقم الصراع من أزمة اللاجئين في دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان، ويهدد بزعزعة استقرار منطقة هشة بالفعل.
دولياً، تضع هذه الاتهامات قوات الدعم السريع وقادتها تحت ضغط قانوني وأخلاقي شديد، وقد تمهد الطريق لفرض عقوبات دولية أو إجراءات أكثر صرامة. كما جددت خان دعوة المحكمة للسلطات السودانية بتسليم المطلوبين لديها منذ سنوات، وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر البشير وأحمد هارون، مؤكدة أن “الإفلات من العقاب” على جرائم الماضي هو ما يغذي حلقة العنف المفرغة اليوم. وحذرت من أن الفظائع التي ارتكبت في مدينة الجنينة عام 2023، والتي أودت بحياة ما بين 10 إلى 15 ألف شخص معظمهم من قبيلة المساليت، تتكرر الآن في الفاشر ومدن أخرى، مما ينذر بكارثة إنسانية أوسع نطاقاً ما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل حاسم.




