خلافات الإطار التنسيقي تعرقل تشكيل حكومة العراق

تتفاقم الأزمة السياسية في العراق مع استمرار الخلافات العميقة داخل «الإطار التنسيقي» الشيعي الحاكم، مما يهدد بتأجيل حسم مرشح رئاسة الوزراء ويعقّد مسار تشكيل الحكومة الجديدة. هذه التباينات الحادة بين قادة التحالف حول الشخصية التي ستتولى المنصب التنفيذي الأرفع في البلاد، أدت إلى تعليق الاجتماعات الحاسمة، في وقت يواجه فيه العراق استحقاقاً دستورياً ضاغطاً يتطلب سرعة في اتخاذ القرار.
تأتي هذه التطورات في سياق سياسي معقد يشهده العراق منذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر 2021. تلك الانتخابات، التي شهدت فوز التيار الصدري بأكبر عدد من المقاعد، لم تتمكن من إفراز حكومة مستقرة بسبب الخلافات العميقة بين الكتل السياسية. وبعد انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية والبرلمان في صيف 2022، أصبح «الإطار التنسيقي»، الذي يضم غالبية القوى الشيعية الموالية لإيران، الكتلة الأكبر والمكلفة دستورياً بتشكيل الحكومة. هذا الانسحاب فاقم من تعقيدات المشهد، حيث ترك فراغاً سياسياً كبيراً وتحديات جمة أمام القوى المتبقية.
تستند العملية السياسية في العراق منذ عام 2003 إلى نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، حيث يتم توزيع المناصب السيادية الرئيسية (رئاسة الجمهورية، رئاسة الوزراء، رئاسة البرلمان) بين المكونات الشيعية والسنية والكردية. ورغم أن هذا النظام يهدف إلى ضمان تمثيل جميع الأطراف، إلا أنه غالباً ما يؤدي إلى جمود سياسي وصراعات داخلية وطائفية حول تقاسم السلطة والمناصب، مما يعرقل تشكيل الحكومات ويؤثر سلباً على الأداء العام للدولة. هذا النظام هو أحد الأسباب الرئيسية وراء طول فترات تشكيل الحكومات في العراق، حيث تستغرق العملية أحياناً أكثر من عام.
وكشفت مصادر مطلعة أن الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» لم تعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل تطورت إلى انشطار فعلي داخل التحالف إلى ثلاثة أجنحة رئيسية، لكل منها رؤيته ومرشحه المفضل لرئاسة الوزراء. ففي حين يتمسك الجناح الأول بترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، أو شخصية مقربة منه، تسعى الأجنحة الأخرى لتقديم مرشحين بديلين يحظون بقبول أوسع أو يمثلون توجهات مختلفة داخل الإطار. هذا الصراع الداخلي يعكس عمق الانقسامات حول مستقبل القيادة السياسية للبلاد، ويزيد من صعوبة التوصل إلى توافق يرضي جميع الأطراف.
تأتي هذه التطورات في مرحلة دستورية حرجة، خاصة بعد انتخاب عبد اللطيف رشيد رئيساً للجمهورية في أكتوبر 2022. فوفقاً للدستور العراقي، يُلزم الرئيس الكتلة النيابية الأكبر بتقديم مرشحها لرئاسة الحكومة خلال مدة أقصاها 15 يوماً. ومع اقتراب هذه المهلة أو تجاوزها دون توافق، يزداد الضغط على «الإطار التنسيقي» لإنهاء خلافاته وتسمية مرشح قادر على قيادة البلاد في هذه المرحلة الحساسة. إن الفشل في ذلك قد يدفع البلاد نحو مزيد من الفراغ الدستوري أو حتى الدعوة لانتخابات مبكرة، وهو ما لا يرغب فيه الكثيرون نظراً للتكاليف السياسية والاقتصادية المترتبة على ذلك.
إن استمرار الجمود السياسي في العراق له تداعيات خطيرة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، يؤدي الفراغ الحكومي إلى شلل في اتخاذ القرارات الضرورية لمعالجة التحديات الملحة مثل تحسين الخدمات العامة، مكافحة الفساد، وتوفير فرص العمل، مما قد يثير غضب الشارع ويؤدي إلى احتجاجات شعبية. إقليمياً، يؤثر عدم الاستقرار في العراق على التوازن الأمني في المنطقة، حيث يعتبر العراق نقطة تقاطع لمصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية. دولياً، يمكن أن يؤثر هذا الجمود على استقرار أسواق النفط العالمية، نظراً لدور العراق كمنتج رئيسي للنفط، كما يعرقل جهود مكافحة الإرهاب ويخلق بيئة قد تستغلها التنظيمات المتطرفة مثل داعش لإعادة تنظيم صفوفها.
لذا، فإن التوصل إلى حل سريع وفعال للخلافات داخل «الإطار التنسيقي» وتشكيل حكومة قوية وفاعلة أصبح ضرورة ملحة لاستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق، وتلبية تطلعات الشعب العراقي نحو مستقبل أفضل.




