العراق: أزمة تشكيل الحكومة والفراغ السياسي المحتمل

يقترب العراق بخطى متسارعة من حافة الفراغ السياسي، مع قرب انتهاء المهلة الدستورية المحددة لاختيار رئيس الوزراء الجديد، والتي تنتهي غداً الأحد. هذا التطور يأتي بعد إخفاق متكرر لقوى «الإطار التنسيقي»، وهي الكتلة التي تمتلك العدد الأكبر من المقاعد في البرلمان حالياً، في حسم اختيار مرشحها لهذا المنصب السيادي. هذا الفشل، الذي تكرر للمرة الثالثة على التوالي خلال هذا الأسبوع، يثير قلقاً متزايداً بشأن مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.
خلفية تاريخية وسياق الأزمة
منذ الانتخابات البرلمانية المبكرة التي جرت في أكتوبر 2021، يواجه العراق تحديات جمة في تشكيل حكومة مستقرة وفعالة. تلك الانتخابات، التي جاءت استجابة لمطالب الاحتجاجات الشعبية الواسعة عام 2019، لم تسفر عن أغلبية واضحة، بل أدت إلى تعقيدات سياسية غير مسبوقة. انسحاب التيار الصدري، الذي فاز بأكبر عدد من المقاعد، من العملية السياسية في يونيو 2022، زاد الطين بلة، تاركاً الساحة السياسية في حالة من الجمود.
تاريخياً، لطالما اتسم المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003 بنظام المحاصصة الطائفية، الذي يقسم المناصب العليا بين المكونات الرئيسية (الشيعة، السنة، الكرد). هذا النظام، وإن كان يهدف إلى ضمان تمثيل جميع الأطراف، غالباً ما يؤدي إلى تأخيرات طويلة في تشكيل الحكومات وصعوبة في اتخاذ القرارات، مما يغذي حالة عدم الاستقرار ويجعل العراق عرضة لأزمات سياسية متكررة.
تأجيلات متكررة وتفاقم الانقسامات
تتجدد هذه الأزمة اليوم مع اقتراب العراق من نهاية المهلة الدستورية لاختيار رئيس الوزراء الجديد. أفادت وكالة الأنباء العراقية بأن الإطار التنسيقي لم يتمكن، أمس الجمعة، من حسم اختيار مرشح رئاسة الوزراء، وأجّل اجتماع الاختيار إلى اليوم السبت، أي قبل يوم واحد فقط من نهاية المهلة الدستورية. هذا التأجيل هو الثالث من نوعه، حيث سبق وأن تم تأجيل الاجتماعات المخصصة لهذا الغرض يومي الاثنين والأربعاء الماضيين، مما يعكس عمق الانقسامات داخل الإطار التنسيقي نفسه.
هذه الانقسامات الداخلية هي السبب الرئيسي وراء هذا الجمود المتكرر، وتثير مخاوف جدية بشأن قدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها وتشكيل حكومة قادرة على إدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة الحرجة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
على الصعيد المحلي: مخاطر الشلل الحكومي والاضطرابات
إن دخول العراق في فراغ سياسي حقيقي يعني شللاً في مؤسسات الدولة، وتأثيراً سلبياً مباشراً على حياة المواطنين. ستتأثر الخدمات الأساسية، وتتفاقم مشكلات البطالة والفساد، وتتأخر المشاريع التنموية الحيوية. كما أن الفراغ الحكومي قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، على غرار ما شهده العراق في أكتوبر 2019، حيث يطالب الشارع العراقي منذ سنوات بإصلاحات جذرية ومكافحة الفساد وتوفير فرص العمل.
على الصعيد الإقليمي: تهديد للاستقرار الإقليمي
على الصعيد الإقليمي، يمثل استقرار العراق ركيزة أساسية لأمن المنطقة بأسرها. أي فراغ سياسي أو تدهور أمني في العراق يمكن أن يؤدي إلى زيادة التدخلات الخارجية من قبل قوى إقليمية تسعى لملء الفراغ، مما يزيد من تعقيد المشهد ويؤثر على التوازنات الإقليمية الهشة. كما أن العراق، بصفته منتجاً رئيسياً للنفط، فإن عدم استقراره قد يؤثر على أسواق الطاقة العالمية، مما يضيف بعداً اقتصادياً دولياً للأزمة.
على الصعيد الدولي: قلق أممي ودولي
تراقب الأمم المتحدة والعديد من الدول الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، الوضع في العراق بقلق بالغ. فالفراغ السياسي قد يعرقل جهود مكافحة الإرهاب، خاصة مع استمرار تهديد تنظيم داعش، ويؤثر على برامج المساعدات الدولية وإعادة الإعمار. المجتمع الدولي يدعو باستمرار القادة العراقيين إلى تغليب المصلحة الوطنية وتشكيل حكومة قوية قادرة على تلبية تطلعات الشعب العراقي وتجنب المزيد من عدم الاستقرار.
يبقى السؤال معلقاً: هل تنجح القوى السياسية العراقية في اللحظات الأخيرة في التوافق على مرشح لرئاسة الوزراء وتجنب البلاد الدخول في نفق الفراغ السياسي المظلم؟ أم أن الانقسامات ستعمق الأزمة وتدفع العراق نحو مستقبل مجهول؟ الأيام القليلة القادمة ستحمل الإجابة.




