أخبار محلية

خض اللبن: تراث الباحة الأصيل وحكاية صبر الأجيال

موروث أصيل متجذر في تاريخ الباحة

تُعد مهنة خض اللبن واحدة من أعمق المهن التراثية وأكثرها أصالة في منطقة الباحة جنوب المملكة العربية السعودية. هي ليست مجرد عملية لإنتاج مشتقات الألبان، بل حكاية صبر وجهد تروي فصولاً من حياة الأجداد وارتباطهم الوثيق بأرضهم ومواشيهم. كانت هذه المهنة، التي تعتمد على أدوات بسيطة مستوحاة من البيئة المحلية، عصب الحياة الاقتصادية والغذائية للأسر، خاصة لمربي الماشية الذين وجدوا في حليب أغنامهم وماعزهم كنزاً غذائياً ثميناً.

خلفية تاريخية: ضرورة حوّلتها حكمة الأجداد إلى حرفة

في بيئة جبلية وصحراوية، كان الاعتماد على الموارد المتاحة أساس البقاء. وشكلت تربية المواشي مصدراً رئيسياً للغذاء، حيث وفر الحليب بروتيناً ودهوناً أساسية. ونظراً لسرعة تلف الحليب الطازج، برزت الحاجة إلى طرق مبتكرة لحفظه والاستفادة منه لأطول فترة ممكنة. من هنا، نشأت عملية خض اللبن التي تحوله إلى منتجات ذات عمر أطول مثل اللبن الرائب، والزبدة، والسمن، والإقط (المضير). لقد كانت هذه الحرفة ضرورة حيوية لضمان الأمن الغذائي للأسرة على مدار العام، مما يعكس حكمة الأجداد في التكيف مع بيئتهم.

دور المرأة المحوري وأسرار المهنة

برزت المرأة في الماضي كعنصر أساسي وحاملة لسر هذه المهنة. فقد كانت تقوم بجميع مراحلها التي تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً بدنياً كبيراً. تبدأ الرحلة مع حلب الماشية فجراً، ثم يُجمع الحليب في “الصميل”، وهو وعاء يُصنع غالباً من جلد الغنم أو الماعز المدبوغ بعناية. يُترك الحليب ليتخثر طبيعياً، ثم تبدأ عملية الخض الشاقة التي قد تستمر لساعات، حيث يُرجّ الصميل بإيقاع منتظم حتى تنفصل جزيئات الدهن مكونةً كتلاً من الزبدة الطازجة، وتطفو على سطح اللبن المخيض. تُجمع الزبدة لاستخدامها في الطهي أو لتحويلها إلى سمن بلدي، بينما يُقدم اللبن كمشروب منعش أو يُستخدم في إعداد وجبات شعبية.

أدوات تقليدية تحكي قصة إبداع

يُستخدم في عملية الخض إناء “الصميل”، الذي يأتي بنوعين رئيسيين. الأول هو القربة الجلدية التقليدية التي تُخاط بإحكام مع ترك فتحة في الأعلى لتعبئة الحليب وتفريغه. أما النوع الثاني، وهو الأكثر حداثة نسبياً، فهو وعاء أسطواني مصنوع من المعدن الخفيف، له غطاء محكم ومقابض جانبية. يُعلّق الصميل عادةً على حامل خشبي ثلاثي الأرجل يسهل نصبه وتثبيته، مما يسمح للمرأة بخض اللبن بحركة اهتزازية مريحة. وارتبطت هذه العملية بترديد الأهازيج الشعبية التي كانت تخفف من عناء العمل وتضفي على الأجواء طابعاً فنياً وثقافياً فريداً.

الأهمية المعاصرة: من الاكتفاء الذاتي إلى التمكين الاقتصادي

لم تعد مهنة خض اللبن اليوم مجرد ممارسة منزلية، بل تحولت إلى رمز للهوية الثقافية وعنصر جذب سياحي مهم. ومع الدعم الذي توليه رؤية المملكة 2030 للحفاظ على التراث الوطني، أصبحت هذه الحرفة مصدراً للدخل للأسر المنتجة والحرفيات. يحرص هؤلاء على المشاركة في المهرجانات والأسواق التراثية لعرض منتجاتهم من السمن والزبدة والإقط، مما يساهم في تسويقها وتوسيع دائرة المهتمين بالموروث المحلي. إن الحفاظ على هذه المهنة لا يعني فقط صون التقاليد، بل يمثل أيضاً دعماً للاقتصاد المحلي وتمكيناً للمجتمع، وتجسيداً حياً لكيفية تحويل التراث إلى محرك فاعل في التنمية المستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى