خولة العنزي: آليات القلق وسبل الوصول للطمأنينة بالرياض
في أمسية علمية متميزة أقيمت في قلب العاصمة السعودية، قدّمت الأخصائية النفسية والمعالجة السلوكية خولة العنزي، دورة متخصصة بعنوان “العقل القلق: من دوامة التفكير إلى الطمأنينة”، وذلك مساء يوم 11 فبراير بمركز “مطمئنة” في الرياض. شهدت الدورة حضوراً لافتاً، سواء بشكل مباشر أو عبر البث الرقمي، مما يعكس الاهتمام المجتمعي المتزايد بقضايا الصحة النفسية وفهم آلياتها المعقدة.
خلال الدورة، قامت العنزي بتشريح دقيق لآلية عمل القلق، موضحة كيف تنشأ الدائرة المفرغة من فكرة سلبية عابرة، لتتطور إلى شعور بالقلق، ومن ثم تترجم إلى سلوكيات قهرية أو تجنبية. وأكدت على فكرة محورية مفادها أن القلق ليس عدواً يجب محاربته، بل هو نظام إنذار فطري في النفس البشرية، يتطلب منا الاستماع إليه وفهم رسائله بوعي، بدلاً من قمعه أو تجاهله، وهي رسالة عميقة وجدت ترحيباً كبيراً من الحضور.
من التنظير إلى التطبيق: استراتيجيات عملية للسلام الداخلي
لم تقتصر الأمسية على الجانب النظري، بل امتدت لتقدم مجموعة غنية من الأدوات والاستراتيجيات العملية. شرحت العنزي تقنيات فعالة للتعامل مع الأفكار المتطفلة التي تغزو العقل، وأساليب لتنظيم المشاعر المضطربة والحد من تأثيرها. كما سلطت الضوء على مفهوم “النموذج الداخلي” الذي يكونه كل شخص عن ذاته والعالم، مبينة أن التمسك الصارم بنماذج مثالية وغير واقعية ومحاولة فرضها على الواقع يعد أحد أكبر مسببات القلق المزمن والإحباط المستمر.
السياق الوطني: الصحة النفسية في قلب رؤية 2030
يأتي تنظيم مثل هذه الفعاليات في وقت حاسم تشهده المملكة العربية السعودية، حيث تحولت الصحة النفسية من موضوع مهمش إلى أولوية وطنية. هذا التحول الإيجابي يندرج ضمن أهداف “برنامج جودة الحياة”، أحد أهم برامج رؤية 2030، الذي يهدف إلى تحسين نمط حياة الفرد والأسرة وبناء مجتمع ينعم أفراده بحياة متوازنة. لقد ساهم الدعم الحكومي والوعي المجتمعي في كسر وصمة العار التي كانت تحيط بالاضطرابات النفسية، وشجع على طلب المساعدة المتخصصة، مما خلق بيئة خصبة لمبادرات تهدف إلى التثقيف النفسي مثل دورة الأستاذة خولة العنزي.
الأهمية والتأثير: بناء مجتمع مرن نفسياً
تتجاوز أهمية هذه الدورة حدود القاعة التي أقيمت فيها. فعلى المستوى المحلي، هي تزود الأفراد بأدوات عملية لتعزيز مرونتهم النفسية وعيش حياة أكثر هدوءاً وإنتاجية، مما ينعكس إيجاباً على الأسرة ومكان العمل والمجتمع ككل. أما على المستوى الإقليمي، فإن نجاح هذه المبادرات يعزز من مكانة المملكة كمركز رائد في مجال خدمات الصحة النفسية المتقدمة، ويسلط الضوء على كفاءة الخبراء السعوديين وقدرتهم على تقديم محتوى علمي عربي أصيل ومناسب للثقافة المحلية، وهو ما يمثل إضافة نوعية في هذا المجال الحيوي.
وقد اختتمت الدورة بنقاش مفتوح وتفاعل ثري بين العنزي والمشاركين، حيث برعت في تبسيط المفاهيم العلمية وربطها بمواقف حياتية واقعية. لقد كانت الأمسية أكثر من مجرد محاضرة، بل رحلة معرفية وعلاجية متكاملة، عززت من مكانة خولة العنزي كصوت مؤثر يجمع بين العمق العلمي والقدرة على ملامسة احتياجات الناس الحقيقية في رحلتهم نحو الطمأنينة.




