لبنان: سلام يؤكد الاستعداد للمفاوضات وحماية السيادة

في خضم مشهد سياسي وأمني معقد، أكد رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، تمام سلام، التزام حكومته الراسخ ببذل أقصى الجهود الدبلوماسية، بالتعاون مع الأصدقاء والشركاء الدوليين، لوقف أي تصعيد وحماية سيادة لبنان ووحدة أراضيه. جاء هذا التأكيد خلال استقباله سفراء الدول العربية والأجنبية في السراي الكبير، حيث شدد على أن لبنان لم يختر هذه الحرب، ولكنه سيظل ثابتًا في الدفاع عن سلامة أراضيه ووحدة شعبه. وأعاد سلام التأكيد على أن قرارات الحرب والسلم يجب أن تكون حصرًا بيد المؤسسات الشرعية للدولة اللبنانية، في إشارة واضحة إلى ضرورة احتكار الدولة لقرار السلاح والأمن، وهو مبدأ أساسي لسيادة أي دولة.
تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخي وسياسي لبناني حافل بالتحديات. فلبنان، الذي يقوم على نظام سياسي توافقي معقد، لطالما واجه صعوبات في ترسيخ سلطة الدولة المركزية بشكل كامل. منذ انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف عام 1989، الذي أعاد صياغة الدستور وأرسى أسس جديدة لتقاسم السلطة، ظل تحدي وجود السلاح خارج إطار الدولة قائماً، ممثلاً بوجود قوى مسلحة غير تابعة للجيش اللبناني. هذا الوضع أثر بشكل مباشر على قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالأمن القومي بشكل مستقل، وجعلها عرضة للتدخلات الإقليمية والدولية.
وقد شهدت البلاد في تلك الفترة تحديات جمة، أبرزها الفراغ الرئاسي الذي طال أمده، والذي يعد ظاهرة متكررة في الحياة السياسية اللبنانية، ويعكس عمق الانقسامات السياسية وصعوبة التوافق بين القوى المختلفة، وغالباً ما يكون مرتبطاً بتوازنات إقليمية ودولية. هذا الفراغ يعيق عمل المؤسسات الدستورية ويضعف قدرة الدولة على مواجهة الأزمات. بالإضافة إلى ذلك، كانت تأثيرات الأزمة السورية المجاورة تلقي بظلالها الثقيلة على لبنان، سواء من خلال تدفق أعداد هائلة من اللاجئين السوريين، مما أثقل كاهل البنية التحتية والاقتصاد، أو من خلال التداعيات الأمنية المباشرة كالتوترات الحدودية وتسلل الجماعات المتطرفة، مما زاد من هشاشة الوضع الأمني.
في ظل هذه الظروف الأمنية والسياسية المضطربة، اضطر البرلمان اللبناني إلى التمديد لولايته أكثر من مرة، كان آخرها في عام 2014، وهو ما أشار إليه عنوان الخبر الأصلي. هذا التمديد، الذي أثار جدلاً واسعًا حول شرعيته الديمقراطية ومخالفته للمبادئ الدستورية، كان يهدف إلى تجنب فراغ دستوري أكبر في ظل عدم القدرة على إجراء انتخابات نيابية في بيئة أمنية وسياسية مستقرة، ولكنه في الوقت نفسه أضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الديمقراطية.
وأوضح سلام أن موقفه هذا يندرج ضمن قرار الحكومة بحظر الأنشطة الأمنية والعسكرية لأي جهة غير تابعة للدولة، سواء كانت لبنانية أو أجنبية. هذه النقطة محورية في المشهد اللبناني، حيث يمتلك حزب الله قوة عسكرية كبيرة خارج إطار الدولة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول سيادة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية بشكل مستقل. لطالما كان وجود السلاح غير الشرعي تحديًا رئيسيًا للدولة اللبنانية، وقد تفاقم هذا التحدي مع انخراط أطراف لبنانية في الصراع السوري، مما زاد من حدة الاستقطاب الداخلي والمخاوف من تداعيات إقليمية خطيرة.
إن دعوة رئيس الوزراء إلى حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة تعكس سعيًا حثيثًا لتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية في لبنان، في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية الداخلية والخارجية. على الصعيد المحلي، يهدف هذا الموقف إلى استعادة الثقة في الدولة كمرجعية وحيدة للأمن والاستقرار، وتجنب الانزلاق نحو صراعات داخلية قد تهدد النسيج الاجتماعي اللبناني الهش وتعيق أي جهود للتنمية الاقتصادية. إقليميًا، يمثل لبنان نقطة تقاطع حساسة بين القوى المتصارعة، وأي تصعيد فيه قد تكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأسرها، مما يجعل الدعوات إلى الحوار والتهدئة ذات أهمية قصوى لمنع تحوله إلى ساحة صراع بالوكالة.
وفي هذا الإطار، أعلن سلام أن الحكومة مستعدة لاستئناف المفاوضات برعاية دولية، داعيًا جميع الأطراف إلى الانخراط في حوار بناء يهدف إلى إيجاد حلول مستدامة للأزمات الراهنة. إن الدعم الدولي لاستقرار لبنان وسيادته أمر حيوي، وتلعب البعثات الدبلوماسية دورًا محوريًا في تسهيل هذه المفاوضات وتقديم الدعم اللازم للمؤسسات اللبنانية. إن استئناف المفاوضات، سواء كانت داخلية لتعزيز الوحدة الوطنية أو إقليمية لترسيم الحدود أو حل النزاعات، يعد خطوة أساسية نحو تحقيق السلام والاستقرار الذي يتطلع إليه الشعب اللبناني والمجتمع الدولي. هذه الجهود الدبلوماسية تهدف إلى تحصين لبنان من التقلبات الإقليمية وضمان مستقبله كدولة ذات سيادة كاملة وقادرة على حماية مصالح شعبها.




