انهيار نيو ستارت ومخاطر سباق التسلح النووي العالمي
نهاية حقبة وبداية غموض استراتيجي
دخل العالم منعطفاً خطيراً ومرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي بعد إعلان روسيا تعليق التزامها بمعاهدة “نيو ستارت”، التي كانت تمثل آخر دعامة قائمة في صرح الحد من الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو. هذا القرار، الذي يأتي في ذروة التوترات الجيوسياسية العالمية، لا ينهي عقداً من الضوابط المتبادلة فحسب، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام مخاوف حقيقية من انطلاق سباق تسلح عالمي محموم، قد تكون عواقبه وخيمة على الأمن والسلم الدوليين.
وأكدت وزارة الخارجية الروسية في بيانها أن الأطراف لم تعد ملزمة بالقيود التي فرضتها المعاهدة، مما يعني توقف عمليات التفتيش المتبادل وتبادل البيانات، وهي الآليات التي شكلت حجر الزاوية في بناء الثقة ومنع سوء التقدير بين أكبر قوتين نوويتين. ورغم التصريحات الروسية بأنها ستلتزم بالحدود القصوى للرؤوس النووية بشكل طوعي، فإن غياب الإطار القانوني الملزم والشفافية يترك مستقبل الاستقرار الاستراتيجي في مهب الريح.
السياق التاريخي: إرث طويل من الدبلوماسية الصعبة
لم تكن معاهدة “نيو ستART” مجرد وثيقة، بل كانت تتويجاً لأكثر من نصف قرن من الجهود الدبلوماسية الشاقة التي بدأت بعد أن وصل العالم إلى حافة الهاوية خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. أدركت القوتان العظميان آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أن سباق التسلح غير المقيد هو طريق نحو دمار متبادل مؤكد. ومن رحم هذه القناعة، وُلدت سلسلة من المعاهدات التاريخية التي هدفت إلى كبح هذا السباق، بدءاً من معاهدتي “سالت” (SALT I & II) في السبعينيات، مروراً بمعاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) عام 1987 التي أزالت فئة كاملة من الصواريخ من أوروبا، وصولاً إلى معاهدة “ستارت 1” عام 1991.
وُقعت معاهدة “نيو ستارت” في براغ عام 2010 بين الرئيسين باراك أوباما ودميتري ميدفيديف، لتضع سقفاً لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية المنشورة عند 1550 رأساً، و700 لوسائل الإيصال الاستراتيجية (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة). الأهم من ذلك، أنها أرست نظام تحقق صارم شمل 18 عملية تفتيش ميداني سنوياً لكل طرف، مما وفر شفافية لا تقدر بثمن.
التداعيات المتوقعة: سباق ثلاثي الأبعاد وتآكل الأمن العالمي
إن انهيار “نيو ستارت” يمثل ضربة قاصمة للاستقرار العالمي. على الصعيد الدولي، يزيل هذا التطور آخر قيد قانوني على ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تمتلكان معاً ما يقرب من 90% من الأسلحة النووية في العالم. هذا الفراغ قد يدفع كلا البلدين إلى تسريع برامج تحديث وتطوير أسلحة جديدة، مثل الصواريخ فرط الصوتية والأسلحة النووية منخفضة القوة، مما يغذي سباق تسلح نوعي وكمي.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الصعود المتسارع للصين كقوة نووية كبرى. فلطالما أصرت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على ضرورة إشراك بكين في أي مفاوضات مستقبلية، وهو ما ترفضه الصين باستمرار بحجة أن ترسانتها لا تزال أصغر بكثير من ترسانتي موسكو وواشنطن. غياب القيود الآن قد يدفع الصين لتسريع توسيع ترسانتها دون ضوابط، مما يخلق واقعاً جديداً خطيراً يتمثل في سباق تسلح ثلاثي الأبعاد. إن تحقيق سيطرة فعالة على الأسلحة في القرن الحادي والعشرين يبدو مستحيلاً دون مشاركة جميع القوى النووية الكبرى.
إقليمياً، تضع هذه التطورات أوروبا في قلب العاصفة مرة أخرى. فقد كانت القارة الأوروبية المستفيد الأكبر من معاهدات ضبط التسلح التي أبعدت عنها شبح المواجهة النووية لعقود. أما الآن، ومع غياب الشفافية وآليات التحقق، يزداد خطر سوء الحسابات والتصعيد غير المقصود، وقد تجد دول القارة نفسها مرة أخرى مسرحاً محتملاً لنشر أسلحة نووية تكتيكية ومتوسطة المدى.




