تحقيق رامابوزا: مشاركة إيران بمناورات جنوب إفريقيا تثير الجدل
أمرت رئاسة جنوب إفريقيا يوم الخميس بفتح تحقيق رسمي ومستقل بشأن مشاركة إيران في مناورة بحرية دولية قبالة سواحل كيب تاون، وذلك بعد أن تبين أن هذه المشاركة تمت خلافًا لتعليمات صريحة من الرئيس سيريل رامابوزا. يأتي هذا التحقيق ليثير تساؤلات حول مدى التزام المؤسسات العسكرية بالتوجيهات الرئاسية، ويضع السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا تحت المجهر.
وأفادت الرئاسة في بيان رسمي أن تشكيل لجنة تحقيق مكونة من ثلاثة قضاة يهدف إلى الكشف عن ملابسات مخالفة تعليمات الرئيس بعدم مشاركة بحرية الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مناورة “إرادة السلام 2026” (Peace Will 2026). هذه المناورات، التي قادتها الصين، جرت في المياه الإقليمية لجنوب إفريقيا، وشهدت مشاركة واسعة من قوات بحرية تابعة لدول مجموعة بريكس، بما في ذلك الصين وروسيا وجنوب إفريقيا نفسها، بالإضافة إلى إيران.
السياق الجيوسياسي وموقف جنوب إفريقيا
تُعد هذه المناورات جزءًا من سياق جيوسياسي أوسع، حيث تسعى دول مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) إلى تعزيز نفوذها وتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب. لطالما تبنت جنوب إفريقيا سياسة خارجية قائمة على عدم الانحياز، وهي سياسة متجذرة في تاريخها ونضالها ضد الفصل العنصري، وتسعى من خلالها إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى العالمية، سواء الغربية أو الشرقية. ومع ذلك، فإن مشاركة إيران، التي تخضع لعقوبات دولية وتواجه انتقادات حادة بسبب سجلها في حقوق الإنسان، أضافت طبقة من التعقيد لهذه المناورات.
وكان الرئيس رامابوزا قد أصدر توجيهات واضحة لوزير الدفاع بسحب السفن الحربية الإيرانية الثلاث من المناورات. تزامن هذا القرار مع حملة قمع واسعة النطاق نفذتها السلطات في طهران ضد محتجين، مما زاد من حساسية الموقف. وقد وصفت الولايات المتحدة، في حينه، مشاركة إيران بأنها “غير مقبولة”، مما يعكس القلق الدولي من تعزيز العلاقات العسكرية مع طهران في ظل الظروف الراهنة. وذكرت وسائل إعلام محلية أن رامابوزا كان قد طلب في البداية أن تشارك إيران بصفة مراقب فقط، لكن هذا الطلب لم يُستجب له.
أهمية التحقيق وتأثيره المحتمل
في أعقاب الجدل الذي أثاره استمرار إيران في المناورات، أعلنت وزارة الدفاع في جنوب إفريقيا منتصف يناير عن فتح تحقيق داخلي. إلا أن الرئاسة قررت لاحقًا تعيين لجنة خاصة بها “لضمان إجراء تحقيق مستقل وفي الوقت المناسب”. هذا الإجراء يؤكد على جدية الرئاسة في التعامل مع القضية ورغبتها في تجنب أي تضارب في المصالح أو محاولات للتستر على الحقائق. ستتولى اللجنة مهمة التحقيق وتقديم توصيات تتعلق بالظروف المحيطة بالتدريبات، والعوامل التي ربما أسهمت في عدم مراعاة أمر الرئيس، وتحديد الشخص المسؤول، والعواقب التي ستترتب على ذلك.
وقد حدد الرئيس رامابوزا مهلة شهر واحد للقضاة لإكمال عملهم وتقديم تقريرهم، مما يشير إلى رغبته في تسريع وتيرة التحقيق وحسم القضية. ويُذكر البيان الرئاسي بأن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو تأكيد على سلطته الدستورية وضرورة احترام أوامره من قبل جميع أجهزة الدولة، بما في ذلك الجيش.
الخلافات بين الحكومة والجيش
هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها خلافات بين الحكومة والجيش في جنوب إفريقيا إلى العلن. ففي أغسطس من العام الماضي، اضطرت وزارة الخارجية إلى إصدار بيان توضيحي أكدت فيه أن “التصريحات التي يدلي بها أفراد أو إدارات غير مسؤولة عن السياسة الخارجية لا ينبغي اعتبارها الموقف الرسمي” للحكومة. جاء ذلك بعد تصريحات أدلى بها ضابط رفيع المستوى أثناء زيارته إلى إيران ونقلتها وسائل الإعلام المحلية في الجمهورية الإسلامية. هذه الحوادث المتكررة تسلط الضوء على تحديات التنسيق والسيطرة المدنية على الجيش في جنوب إفريقيا، وتؤكد على أهمية هذا التحقيق في ترسيخ مبدأ المساءلة وتحديد حدود الصلاحيات لضمان وحدة وتماسك السياسة الخارجية للدولة.




