روسيا ومعاهدة نيو ستارت: التزام مشروط ومستقبل غامض
في خطوة تعكس التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، أعلنت موسكو أنها ستواصل احترام القيود المفروضة على ترسانتها النووية بموجب معاهدة “نيو ستارت”، لكنها ربطت هذا الالتزام بشكل مباشر بالتزام مماثل من جانب الولايات المتحدة. يأتي هذا التصريح في وقت حرج، حيث تُعتبر المعاهدة الركيزة الأخيرة المتبقية في بنية الحد من التسلح بين أكبر قوتين نوويتين في العالم.
خلفية تاريخية لمعاهدة نيو ستارت
تُعد معاهدة “نيو ستارت” (معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة)، التي تم توقيعها في براغ عام 2010 بين الرئيسين الأمريكي باراك أوباما والروسي دميتري ميدفيديف، امتدادًا لعقود من الجهود الدبلوماسية للحد من مخاطر الحرب النووية. دخلت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 2011، ونصت على تحديد عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية التي يمكن لكل دولة نشرها بـ 1550 رأسًا، بالإضافة إلى تحديد عدد أنظمة الإطلاق (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ التي تُطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة) بـ 700 نظام. وفي عام 2021، تم تمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات إضافية، ومن المقرر أن تنتهي صلاحيتها في فبراير 2026، ما لم يتم التفاوض على اتفاقية جديدة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يحمل الموقف الروسي الأخير أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى الدولي، يمثل أي انهيار محتمل للمعاهدة بداية لسباق تسلح جديد وغير مقيد بين واشنطن وموسكو، الأمر الذي سيزيد من حالة عدم الاستقرار العالمي ويرفع منسوب المخاطر النووية. إن غياب آليات التحقق والتفتيش المتبادل التي توفرها المعاهدة سيؤدي إلى انعدام الشفافية والثقة، مما يجعل كل طرف يخشى من نوايا الطرف الآخر وقدراته الحقيقية.
إقليميًا، يثير هذا الوضع قلقًا عميقًا لدى حلفاء الولايات المتحدة، خاصة في أوروبا. فقد دعا حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرارًا إلى ضرورة ضبط النفس والحفاظ على المعاهدة، معتبرًا إياها عنصرًا أساسيًا في الأمن الأوروبي والعالمي. إن انتهاء صلاحية “نيو ستارت” دون بديل سيضع ضغوطًا إضافية على دول الحلف لتعزيز قدراتها الدفاعية، وقد يؤدي إلى إعادة انتشار الأسلحة في القارة الأوروبية.
مستقبل غامض للحد من التسلح
أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن “الوقف الاختياري” الذي تفرضه روسيا على نفسها لا يزال ساريًا، لكنه حذّر من أن هذا الالتزام مرهون بعدم تجاوز الولايات المتحدة للحدود المنصوص عليها. وكانت روسيا قد أعلنت في فبراير 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة، معللة ذلك بالدعم الأمريكي لأوكرانيا، لكنها أكدت حينها أنها ستستمر في احترام القيود العددية. التصريح الجديد يعيد التأكيد على هذا الموقف المشروط، ويضع الكرة في ملعب واشنطن، مما يجعل مستقبل الحد من التسلح النووي بين القوتين العظميين محفوفًا بالغموض قبل الموعد النهائي لانتهاء المعاهدة في عام 2026.




