التعاون الدفاعي السعودي البريطاني: توطين الصناعات ورؤية 2030
في خطوة استراتيجية تعكس عمق العلاقات بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة، يواصل البرنامج السعودي البريطاني للتعاون الدفاعي، بالتعاون مع شركة بي أيه إي سيستمز (BAE Systems)، تحقيق إنجازات نوعية في مجال تعزيز القدرات العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية. هذه الشراكة، التي تتم تحت إشراف الهيئة العامة للصناعات العسكرية وبالتنسيق الوثيق مع القوات الجوية والبحرية الملكية السعودية، لا تقتصر على تزويد المملكة بأحدث التقنيات الدفاعية فحسب، بل تهدف إلى بناء قاعدة صناعية وطنية مستدامة تتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 الطموحة.
خلفية تاريخية لشراكة ممتدة
تمتد جذور التعاون الدفاعي بين المملكتين لعقود طويلة، حيث شكلت برامج سابقة مثل برنامج “اليمامة” في الثمانينيات حجر الأساس لهذه العلاقة الاستراتيجية. وقد ساهمت هذه الشراكة التاريخية في بناء جسور من الثقة ونقل الخبرات، مما مهد الطريق لمشاريع أكثر تطورًا وطموحًا مثل برنامج منظومة طائرات “التورنيدو”، الذي نجح في إدخال أكثر من 100 قدرة إصلاح محلية وتمكين مئات الكوادر السعودية. واليوم، يمثل التعاون الحالي مع BAE Systems تتويجًا لهذه المسيرة، منتقلاً من مجرد التوريد إلى التصنيع المشترك ونقل التقنية الكامل.
برنامج طائرات “هوك”: أيقونة التوطين الصناعي
يُعد برنامج التجميع النهائي لطائرات التدريب النفاثة المتقدمة من طراز “هوك” أحد أبرز ثمار هذا التعاون. ففي عام 2017، شهدت قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بالقطاع الشرقي تدشين أول طائرة “هوك” يتم تجميعها وتصنيع أجزاء منها بالكامل بأيادٍ سعودية، برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. ولم يكن هذا الإنجاز رمزيًا فقط، بل شكّل نقطة تحول حقيقية، حيث تم تسليم الطائرة رقم 22 خلال معرض الدفاع العالمي الأخير، مما يؤكد على استدامة القدرات التصنيعية المحلية. وقد ساهم البرنامج في تصنيع أكثر من 33,000 قطعة داخلية وخارجية للطائرة محليًا، بمشاركة 25 شركة سعودية، مما خلق سلسلة إمداد وطنية قوية.
الأثر الاستراتيجي والاقتصادي: أبعد من مجرد التصنيع
يتجاوز تأثير هذا البرنامج حدود المصانع وخطوط التجميع. فعلى الصعيد المحلي، أسهم في خلق آلاف الوظائف النوعية للشباب السعودي، حيث يضم قطاع الصناعات العسكرية اليوم أكثر من 34 ألف موظف مباشر، بنسبة سعودة تقارب 63%. وتُعد BAE Systems نموذجًا رائدًا في هذا المجال، إذ يشكل السعوديون 80% من موظفيها في المملكة البالغ عددهم أكثر من 7,000 موظف. أما على الصعيد الاستراتيجي، فقد أدى البرنامج إلى إنشاء منظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة لمشاريع تجميع الطائرات، مما يضع أساسًا راسخًا لمستقبل الصناعات الجوية في المملكة.
تأثير إقليمي ودولي متنامٍ
إن نجاح المملكة في توطين نسبة كبيرة من صناعاتها الدفاعية يعزز من مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة وقادرة على ضمان أمنها واستقرارها. هذا الاعتماد الذاتي يقلل من التأثر بالتقلبات السياسية الدولية ويوفر مرونة استراتيجية أكبر للقيادة السعودية. دوليًا، تتحول المملكة من مجرد مستورد رئيسي للأسلحة إلى شريك استراتيجي في التصنيع والتطوير، مما يغير ديناميكيات سوق الدفاع العالمي ويجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات ونقل التقنية المتقدمة.
من الجو إلى البحر: توسيع آفاق التعاون
لا يقتصر هذا النموذج الناجح على القطاع الجوي، بل يمتد ليشمل تعزيز القدرات البحرية. فبالتعاون مع القوات البحرية الملكية السعودية، تعمل BAE Systems على نقل الخبرات الهندسية وتوطين 25 قدرة صيانة وإصلاح بحرية، وتأهيل الكوادر الوطنية عبر معهد الدراسات الفنية للقوات البحرية. هذا التوسع يضمن تحقيق تكامل في القدرات الدفاعية الوطنية ويعزز من حماية المصالح البحرية الاستراتيجية للمملكة.
في المحصلة، يجسد التعاون بين البرنامج السعودي البريطاني وشركة BAE Systems نموذجًا فريدًا للشراكة الدولية التي تحقق منافع متبادلة، وتدعم بشكل مباشر تحقيق أهداف رؤية 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وترسيخ أسس أمن وطني صلب يعتمد على سواعد أبنائه.


