اشتباكات قسد والنظام السوري بالرقة تهدد اتفاقاً هشاً
خرق لاتفاق هش: تجدد التوترات في شمال سوريا
بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار يهدف إلى نزع فتيل التوتر، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بوقوع اشتباكات عنيفة مساء الاثنين بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقوات الحكومة السورية. تركزت المواجهات في محيط سجن يقع بالقرب من مدينة الرقة، العاصمة السابقة لتنظيم داعش، مما يلقي بظلال من الشك على مستقبل التهدئة الهشة في المنطقة.
ووفقًا للمرصد، لم تقتصر المواجهات على الاشتباكات المباشرة في محيط “سجن الأقطان”، بل شملت قصفًا مدفعيًا من جانب القوات الحكومية استهدف موقعًا عسكريًا تابعًا لقسد شمال المدينة. تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حرج، بالتزامن مع وجود قائد “قسد”، مظلوم عبدي، في دمشق لإجراء محادثات رفيعة المستوى مع الحكومة السورية، والتي وصفتها مصادر كردية بأنها لم تكن إيجابية، مما يزيد من تعقيد المشهد.
خلفية الصراع: علاقة معقدة بين الحليف والخصم
لفهم أبعاد هذه الاشتباكات، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي للعلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة في دمشق. تأسست “قسد” في عام 2015 كتحالف من فصائل كردية وعربية وسريانية، وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لتكون القوة البرية الرئيسية في الحرب ضد تنظيم داعش. وقد نجحت بالفعل في طرد التنظيم من مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، بما في ذلك مدينة الرقة في عام 2017.
ورغم أن العدو المشترك (داعش) فرض أحيانًا تنسيقًا محدودًا بين الطرفين، إلا أن العلاقة بينهما بقيت متوترة ومحفوفة بالحذر. فالحكومة السورية تسعى لإعادة بسط سيطرتها الكاملة على جميع الأراضي السورية، رافضةً مشروع الإدارة الذاتية الذي أقامته “قسد” في مناطق نفوذها. في المقابل، تتمسك “قسد” بمكتسباتها وتطالب بالاعتراف الدستوري بإدارتها وبحقوق المكون الكردي، وهو ما يشكل نقطة الخلاف الجوهرية التي تعرقل أي اتفاق دائم.
الأهمية والتأثيرات المحتملة للتوتر الأخير
يحمل تجدد القتال في الرقة تداعيات خطيرة على مختلف الأصعدة. فعلى المستوى المحلي، يقوض هذا التصعيد الثقة بين الطرفين ويهدد بنسف جهود التفاوض، مما يعيد السكان إلى دائرة الخوف من عودة العنف وانعدام الاستقرار. كما أن أي صراع واسع النطاق قد يخلق فراغًا أمنيًا تستغله خلايا تنظيم داعش النائمة لإعادة تنظيم صفوفها وشن هجمات جديدة.
إقليميًا ودوليًا، يراقب الفاعلون الكبار المشهد عن كثب. فالولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لقسد، تجد استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب في سوريا مهددة. ومن ناحية أخرى، ترى روسيا، حليفة دمشق، أن هذه التوترات تعرقل مساعيها لتحقيق حل سياسي يعيد للدولة السورية سيادتها. كما أن تركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية (المكون الأساسي لقسد) منظمة إرهابية، قد تستغل أي اقتتال داخلي لتبرير عمليات عسكرية جديدة في شمال سوريا. وبالتالي، فإن هذه الاشتباكات، وإن كانت محدودة جغرافيًا، إلا أنها تمثل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل اتفاق وقف إطلاق النار وقدرة الأطراف السورية على تجاوز خلافاتها العميقة.




