العاصفة مارتا: فيضانات ورياح عاتية تضرب إسبانيا والبرتغال
فيما لم تزل إسبانيا والبرتغال تتعافيان من آثار العاصفة المدمرة “ليوناردو”، تواجه شبه الجزيرة الأيبيرية تحديًا مناخيًا جديدًا مع وصول العاصفة “مارتا”، التي جلبت معها موجة جديدة من الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، مهددة بفيضانات واسعة النطاق وانزلاقات أرضية خطيرة. وقد أصدرت السلطات في كلا البلدين تحذيرات قصوى، حيث أصبحت التربة مشبعة بالمياه وغير قادرة على استيعاب المزيد من الأمطار، مما يرفع منسوب الخطر إلى مستويات حرجة.
تأتي هذه العواصف المتتالية في سياق أوسع من التغيرات المناخية التي تؤثر بشكل متزايد على منطقة البحر الأبيض المتوسط. تُعتبر شبه الجزيرة الأيبيرية، التي تضم إسبانيا والبرتغال، إحدى أكثر المناطق الأوروبية تأثراً بظاهرة الاحتباس الحراري. وتشير التقارير العلمية إلى أن المنطقة تشهد نمطًا متكررًا من الظواهر الجوية المتطرفة، حيث تتناوب فترات الجفاف الطويلة وموجات الحر الشديدة صيفًا مع هطول أمطار عنيفة ومركزة خلال فصلي الخريف والشتاء. هذا النمط لا يهدد فقط البنية التحتية والممتلكات، بل يؤثر أيضًا على النظم البيئية والقطاعات الاقتصادية الحيوية مثل الزراعة والسياحة.
في إسبانيا، أعلنت وكالة الأرصاد الجوية الوطنية حالة التأهب “البرتقالية” في مناطق واسعة، خاصة في إقليم الأندلس جنوبًا وشمال غرب البلاد. وتأتي هذه الإجراءات الاحترازية بعد الخسائر التي سببتها العاصفة “ليوناردو”، والتي أودت بحياة شخصين وتسببت في فيضانات هائلة أجبرت السلطات على إجلاء أكثر من 10 آلاف شخص من منازلهم. وحذر رئيس إقليم الأندلس، خوان مانويل مورينو، من أن “الأنهار على وشك الفيضان”، بينما لا تزال العديد من الطرق مغلقة وحركة القطارات معلقة كإجراء وقائي.
على الجانب الآخر من الحدود، تواجه البرتغال وضعًا لا يقل خطورة. فقد سجلت البلاد بالفعل ثاني أكثر شهور يناير مطرًا منذ عام 2000، مما وضع ضغطًا هائلاً على أحواض الأنهار الرئيسية مثل نهر تاجه في منطقة لشبونة ونهر سادو في الجنوب. وأصدرت السلطات تحذيرات برتقالية في ثماني مقاطعات، مع تنبيهات خاصة للمناطق الساحلية التي تواجه خطر هيجان البحر وأمواج قد يصل ارتفاعها إلى 13 مترًا. وقد أدت العواصف الأخيرة إلى وفاة شخص وإجلاء المئات، كما اضطرت السدود إلى إطلاق كميات هائلة من المياه، تعادل الاستهلاك السنوي للبلاد، لتجنب انهيارها.
إن التأثير المتوقع لهذه الظواهر يتجاوز الأضرار المادية المباشرة. فعلى الصعيد المحلي، تضع هذه الكوارث ضغطًا هائلاً على خدمات الطوارئ وتهدد حياة السكان وسبل عيشهم. أما على الصعيد الإقليمي، فإنها تعرض للخطر قطاع الزراعة الذي يعتبر ركيزة أساسية في اقتصاد البلدين، مما قد يؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي في أوروبا. ومع استمرار هذه الأحوال الجوية القاسية، يواجه قادة المنطقة، مثل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، تحدي الاستجابة الفورية للأزمة والتخطيط طويل الأمد للتكيف مع واقع مناخي جديد يزداد قسوة عامًا بعد عام.




