عودة القوات السورية للقامشلي بموجب اتفاق مع قسد
عودة تدريجية للدولة السورية إلى شمال شرق البلاد
في تطور ميداني وسياسي بارز، دخلت قوات الأمن السورية يوم الثلاثاء إلى مدينة القامشلي، التي تُعتبر العاصمة الإدارية الفعلية لمناطق الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا. ويأتي هذا الانتشار تنفيذًا لاتفاق تم التوصل إليه مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يهدف إلى إنهاء أسابيع من التوتر والتصعيد العسكري بين الطرفين، ويمهد لعودة تدريجية لمؤسسات الدولة السورية إلى المنطقة.
وأفاد مراسلون في المدينة بأن رتلًا مؤلفًا من آليات ومدرعات تابعة لقوات الأمن الداخلي السورية قد دخل المدينة، وقام بنصب حواجز أمنية عند مداخلها الرئيسية. ويأتي هذا التحرك غداة انتشار مماثل لوحدات من القوات الحكومية في مدينة الحسكة وريف كوباني (عين العرب) في ريف حلب الشمالي، مما يؤكد على جدية الطرفين في تطبيق بنود الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطات إقليمية.
خلفية الاتفاق وسياقه التاريخي
يعود هذا التطور إلى الديناميكيات المعقدة التي فرضها الصراع السوري منذ عام 2011. فمع انشغال الحكومة السورية بمواجهة فصائل المعارضة في مناطق مختلفة، انسحبت قواتها بشكل كبير من المناطق ذات الغالبية الكردية، مما أتاح الفرصة للقوى الكردية، وعلى رأسها وحدات حماية الشعب (YPG)، لتأسيس إدارة ذاتية خاصة بها. لاحقًا، شكلت هذه الوحدات العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي أصبحت الحليف الرئيسي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم “داعش” الإرهابي.
ورغم حالة العداء غير المعلن في بعض الأحيان، حافظت دمشق وقسد على خطوط تواصل وقنوات تنسيق أمنية، خاصة في مواجهة التهديدات المشتركة مثل التهديد التركي. وقد دفعت العمليات العسكرية التركية المتكررة في شمال سوريا قوات قسد إلى التقارب مع الحكومة السورية وروسيا بحثًا عن حماية وضمانات أمنية، وهو ما أفضى إلى تفاهمات واتفاقات متتالية، كان آخرها هذا الاتفاق الذي يعيد رسم خارطة السيطرة في المنطقة.
الأهمية الاستراتيجية وتأثيرات الاتفاق
يحمل هذا الاتفاق أهمية استراتيجية كبرى على مختلف الأصعدة. فعلى الصعيد المحلي، يمثل عودة لمؤسسات الدولة السورية إلى منطقة حيوية وغنية بالموارد (النفط والزراعة)، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الإدارة الذاتية ومصير كوادرها العسكرية والمدنية. وبموجب الاتفاق، من المقرر أن تبدأ عملية دمج متدرجة للقوات العسكرية والإدارية، حيث سيتم دمج قوات الأمن الكردية (الأسايش) ضمن هيكلية وزارة الداخلية السورية، وهو ما أكده المتحدث باسم الوزارة نور الدين البابا.
إقليميًا ودوليًا، يُقرأ هذا التطور كانتصار سياسي للحكومة السورية وحلفائها، روسيا وإيران، حيث يعزز من سيادة الدولة على أراضيها ويقلص من نفوذ القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة. كما أنه يبعث برسائل إلى تركيا مفادها أن الجيش السوري هو من سيتولى أمن الحدود تدريجيًا. ويبقى مستقبل المنطقة مرهونًا بمدى التزام الطرفين ببنود الاتفاق، وقدرتهما على إدارة هذه المرحلة الانتقالية المعقدة بما يضمن الاستقرار ويمنع تجدد الصراع.
تفاصيل الانتشار وبنود الدمج
شوهدت حركة خفيفة للسكان في القامشلي مساء الثلاثاء، وسط انتشار محدود لقوات “الأسايش” التي لا تزال تحافظ على وجودها في بعض أحياء المدينة. ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) تأكيد دخول الرتل الأمني، مشيرة إلى أن الاتفاق ينص على أن يكون عدد القوات والآليات محدودًا في المرحلة الأولى. وفي تصريحات للتلفزيون الرسمي، رحب المتحدث باسم وزارة الداخلية “بكل الكوادر الوطنية السورية”، مؤكدًا أن الهدف هو “إعادة بناء سوريا من جديد” عبر تضافر جميع الجهود.




