علاقات بريطانيا والاتحاد الأوروبي: تقارب أمني بعد بريكست
بعد مرور عشر سنوات على الاستفتاء التاريخي الذي أدى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، المعروف إعلامياً بـ “بريكست”، يبدو أن فصلاً جديداً من العلاقات بين الطرفين قد بدأ يرتسم في الأفق. ففي ظل عالم يزداد اضطراباً وتحديات جيوسياسية متصاعدة، أكد قادة من بريطانيا والاتحاد الأوروبي على ضرورة تجاوز خلافات الماضي وتوحيد الصفوف لمواجهة المخاطر المشتركة.
خلفية تاريخية: من الانفصال إلى ضرورة التعاون
في 23 يونيو 2016، صوتت المملكة المتحدة بفارق ضئيل لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، منهية بذلك عضوية استمرت 47 عاماً. استندت حملة الخروج على وعود باستعادة السيادة الوطنية والتحكم في الحدود والهجرة، بالإضافة إلى توجيه الأموال التي كانت تُدفع لميزانية الاتحاد نحو أولويات محلية. وبعد مفاوضات شاقة ومعقدة، خرجت بريطانيا رسمياً من التكتل في 31 يناير 2020، ودخلت اتفاقية التجارة والتعاون حيز التنفيذ، والتي نظمت العلاقات التجارية والاقتصادية الجديدة. لكن هذا الانفصال لم يخلُ من تبعات اقتصادية وسياسية، حيث واجهت بريطانيا تحديات تتعلق بالحواجز التجارية الجديدة ونقص العمالة في قطاعات حيوية.
أهمية التقارب في ظل المتغيرات الدولية
جاءت الدعوات الأخيرة لتوثيق العلاقات في مؤتمر ميونيخ للأمن، وهو منصة عالمية لمناقشة السياسات الدفاعية والأمنية. وقد سلطت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، الضوء على هذه الضرورة الملحة، قائلة إن أوروبا وبريطانيا بحاجة ماسة إلى التعاون الوثيق في مجالات “الأمن، والاقتصاد، والدفاع عن ديموقراطياتنا”. وأضافت بشكل لافت: “ينبغي على أوروبا وخصوصاً المملكة المتحدة، أن يتقاربا أكثر”، مؤكدة أن “مستقبلنا أكثر ترابطاً من أي وقت مضى”، في إشارة واضحة إلى أن التحديات الراهنة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، تتطلب جبهة غربية موحدة.
رؤية بريطانية وأوروبية مشتركة
من جانبه، تبنى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نبرة مماثلة، مشدداً على أن الطريق إلى الأمام واضح ويتمثل في بناء قوة ردع مشتركة. وقال: “يجب أن نكون قادرين على ردع العدوان، ونعم، إذا لزم الأمر، يجب أن نكون مستعدين للقتال”. ودعا ستارمر إلى تأسيس “قاعدة صناعية مشتركة في جميع أنحاء أوروبا يمكنها أن تعزز إنتاجنا الدفاعي”، مما يعكس تحولاً نحو التكامل الدفاعي العملي بدلاً من الانعزال. هذه التصريحات تتناغم مع دعوات أوروبية أوسع، حيث أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على أهمية بناء “أوروبا قوية” قادرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية ضمن إطار الحلف الأطلسي. إن هذا التقارب لا يمثل تراجعاً عن قرار بريكست، بل هو اعتراف واقعي بأن الأمن الأوروبي كل لا يتجزأ، وأن التعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي يظل حجر الزاوية في استقرار القارة والعالم.




