بريطانيا تطرد دبلوماسياً روسياً: تصعيد جديد في العلاقات المتوترة
في خطوة تعكس عمق التوتر في العلاقات بين البلدين، أعلنت المملكة المتحدة سحب اعتماد دبلوماسي روسي، رداً على طرد موسكو لدبلوماسي بريطاني الشهر الماضي. وأكدت وزارة الخارجية في لندن أن هذا الإجراء يأتي في سياق مواجهة ما وصفته بـ “الترهيب” الروسي، محذرة من أن أي خطوات تصعيدية إضافية من جانب الكرملين ستُقابل برد حاسم.
وصرح ناطق باسم الوزارة قائلاً: “ندين بأشد العبارات قرار روسيا غير المبرر طرد دبلوماسي بريطاني الشهر الماضي واتهاماتها التي لا أساس لها لموظفينا”. وأضاف أن السفير الروسي استُدعي إلى وزارة الخارجية، حيث تم إبلاغه بوضوح أن المملكة المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات ترهيب موظفي سفارتها أو عرقلة عمل بعثاتها الدبلوماسية، التي تعتبرها لندن جزءاً من مساعي روسيا لردع دعم بريطانيا المستمر لأوكرانيا.
خلفية تاريخية من التوتر والتجسس
لا يعتبر هذا الحادث معزولاً، بل هو الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من التوترات التي شابت العلاقات الروسية البريطانية لعقود. فمنذ نهاية الحرب الباردة، مرت العلاقات بفترات من التحسن الحذر، لكنها سرعان ما تدهورت بسبب قضايا التجسس والأمن. وشكلت قضية اغتيال العميل الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو في لندن عام 2006 باستخدام مادة البولونيوم المشع نقطة تحول خطيرة، حيث اتهمت بريطانيا الدولة الروسية بالوقوف وراء العملية، مما أدى إلى طرد متبادل للدبلوماسيين وتجميد التعاون الأمني.
ووصلت العلاقات إلى أدنى مستوياتها في عام 2018 بعد محاولة اغتيال العميل المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبري باستخدام غاز الأعصاب “نوفيتشوك”. وقد أدت هذه الحادثة إلى أكبر عملية طرد جماعي للدبلوماسيين الروس من قبل الدول الغربية في التاريخ، بقيادة المملكة المتحدة والولايات المتحدة، مما عمّق انعدام الثقة بين الجانبين.
تأثير الحرب في أوكرانيا على العلاقات الدبلوماسية
أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 إلى انهيار شبه كامل للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية. وتُعد بريطانيا من أبرز الداعمين لأوكرانيا عسكرياً ومالياً وسياسياً، وهو موقف تعتبره موسكو عملاً عدائياً مباشراً. وفي هذا السياق، أصبحت الإجراءات الدبلوماسية مثل طرد الموظفين أداة للتعبير عن الاستياء والضغط السياسي. ويرى محللون أن هذه الخطوات التصعيدية تهدف إلى تقويض شبكات الاستخبارات والدعم اللوجستي للطرف الآخر، بالإضافة إلى إرسال رسائل سياسية قوية على الساحة الدولية.
إن سحب الاعتماد الدبلوماسي الأخير، رغم أنه إجراء معياري في عالم الدبلوماسية، يحمل في طياته دلالات خطيرة في ظل المناخ الحالي. فهو يقلص قنوات الاتصال المحدودة أصلاً بين قوتين نوويتين وعضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، ويزيد من مخاطر سوء التقدير في الأزمات المستقبلية. ومع تحذير كل طرف للآخر من مغبة التصعيد، يبقى الباب مفتوحاً أمام حلقة مفرغة من الإجراءات الانتقامية التي قد تزيد من عزلة روسيا وتعمق الانقسام بينها وبين الغرب.




