أخبار العالم

سياسة واشنطن تجاه إيران: تغيير النظام أم السلوك؟

بينما يعتقد كثيرون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يسعى لتغيير النظام في إيران، فإن موقع «بوليتيكو» الأمريكي يرى أن الهدف الحقيقي لواشنطن هو تغيير سلوك النظام بما يتناغم مع سياسات ومصالح الولايات المتحدة، وذلك عبر إزاحة كبار المسؤولين فيه دون الإطاحة به تمامًا. هذا التوجه يعكس استراتيجية تسعى لضمان أن من يتولى السلطة في دول مثل إيران وفنزويلا وكوبا يتعامل بالطريقة التي تروق للولايات المتحدة. وقد نقل عن مسؤول أمريكي قوله إن «مفهومنا لتغيير النظام هو تغيير السلوك. لقد استخلصنا بعض الدروس من العراق وأفغانستان»، مما يوضح تفضيل واشنطن لتجنب التدخلات العسكرية المباشرة والمكلفة.

الخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية الإيرانية

تعود جذور التوتر العميق بين واشنطن وطهران إلى الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بالشاه المدعوم أمريكياً وأقامت جمهورية إسلامية معادية للولايات المتحدة. منذ ذلك الحين، اتسمت العلاقة بالعداء المتبادل والعقوبات الاقتصادية المتتالية من جانب واشنطن، والاتهامات بالتدخل الإقليمي من جانب طهران. تصاعدت حدة التوتر بشكل خاص مع برنامج إيران النووي، الذي أدى إلى فرض عقوبات دولية واسعة النطاق. وفي عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) بين إيران والقوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة، بهدف تقييد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل تخفيف العقوبات. إلا أن إدارة الرئيس دونالد ترامب انسحبت من هذا الاتفاق في عام 2018، معتبرة إياه غير كافٍ للحد من نفوذ إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي الباليستي. تبع ذلك حملة ‘الضغط الأقصى’ التي فرضت عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على إيران، بهدف دفعها إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية جديدة.

تغيير السلوك: استراتيجية مستخلصة من التجارب السابقة

إن الإشارة إلى ‘الدروس المستخلصة من العراق وأفغانستان’ تعكس وعياً أمريكياً بالتكاليف الباهظة، البشرية والمادية، للتدخلات العسكرية المباشرة ومحاولات تغيير الأنظمة بالقوة. هذا الوعي يدفع نحو استراتيجيات بديلة تركز على تعديل سلوك الدول دون الحاجة إلى تغيير هياكلها السياسية بالكامل، وهو ما يفسر التركيز على ‘تغيير السلوك’ بدلاً من ‘تغيير النظام’ في الخطاب الرسمي. تتركز مطالب واشنطن من طهران عادةً على عدة محاور رئيسية: وقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة (مثل حزب الله والحوثيين)، والحد من تطوير الصواريخ الباليستية، والالتزام الصارم بالقيود النووية، وتحسين سجل حقوق الإنسان. هذه المطالب تهدف إلى تقويض ما تعتبره واشنطن ‘سلوكاً مزعزعاً للاستقرار’ من قبل إيران في الشرق الأوسط.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع

إن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لها تداعيات عميقة على الاستقرار الإقليمي. فالتوترات المستمرة تغذي الصراعات بالوكالة في سوريا واليمن والعراق ولبنان، وتؤثر على أمن الملاحة في الخليج العربي، مما يجعل المنطقة عرضة لتصعيد غير متوقع. أي تغيير في سياسة إيران، سواء كان ناتجاً عن ضغط أمريكي أو تحول داخلي، سيتردد صداه في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مما قد يعيد تشكيل التحالفات والتوازنات القائمة. على الصعيد الدولي، تؤثر هذه العلاقة على أسواق النفط العالمية، وجهود منع الانتشار النووي، ومستقبل الدبلوماسية متعددة الأطراف. فإيران لاعب رئيسي في إنتاج النفط، وأي اضطراب في إمداداتها يمكن أن يهز الاقتصاد العالمي. كما أن سعيها لامتلاك قدرات نووية يثير قلقاً عالمياً، مما يجعل ملفها النووي محوراً للجهود الدبلوماسية الدولية. داخلياً، تسببت العقوبات الأمريكية في ضغوط اقتصادية هائلة على الشعب الإيراني، مما أثر على مستويات المعيشة وأثار احتجاجات شعبية متفرقة. هذا الضغط قد يدفع النظام إلى إعادة تقييم سياساته، أو قد يؤدي إلى مزيد من التصلب والمقاومة. إن التفاعل بين الضغط الخارجي والتحولات الداخلية سيحدد مسار إيران المستقبلي.

يبقى السؤال المحوري: هل يمكن لواشنطن أن تحقق ‘تغييراً كافياً في السلوك’ من نظام يرى في هذه المطالب تهديداً وجودياً، دون اللجوء إلى تغيير النظام نفسه؟ هذا التحدي يضع الدبلوماسية والضغط الاقتصادي الأمريكي في اختبار حقيقي، مع تداعيات محتملة على مستقبل الشرق الأوسط والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى