أمريكا وروسيا: التزام بالاستقرار النووي وسط تحديات عالمية
في خطوة تعكس إدراكاً للمسؤولية الدولية، جددت الولايات المتحدة وروسيا، أكبر قوتين نوويتين في العالم، تأكيدهما على الالتزام المشترك بالحفاظ على الاستقرار النووي والسعي نحو خفض ترسانات الأسلحة النووية العالمية. يأتي هذا التأكيد في وقت حاسم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، مما يبعث برسالة حذر وأمل في آن واحد للمجتمع الدولي.
خلفية تاريخية من سباق التسلح إلى الحد منه
تعود جذور الحوار حول الاستقرار النووي إلى حقبة الحرب الباردة، التي شهدت سباق تسلح محموماً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. هذا السباق وضع العالم على حافة الهاوية النووية، وأدى إلى تطوير عقيدة “الدمار المتبادل المؤكد” (MAD)، التي كانت بمثابة رادع هش. وإدراكاً لهذه المخاطر الوجودية، بدأت القوتان في التفاوض على سلسلة من المعاهدات التاريخية للحد من الأسلحة، مثل معاهدات “سالت” (SALT) و”ستارت” (START)، التي هدفت إلى وضع قيود على عدد وأنواع الأسلحة الاستراتيجية التي يمكن لكل طرف امتلاكها، مما ساهم في بناء الثقة وتقليل احتمالات نشوب حرب نووية عن طريق الخطأ.
أهمية معاهدة “نيو ستارت” وتحديات المستقبل
تُعد معاهدة “نيو ستارت”، التي وقعت في عام 2010، آخر اتفاقية رئيسية قائمة للحد من التسلح بين البلدين. وقد حددت المعاهدة سقفاً لعدد الرؤوس الحربية النووية المنشورة بـ 1550 رأساً، و700 صاروخ باليستي وقاذفة ثقيلة منشورة لكل جانب. إلا أن روسيا أعلنت تعليق مشاركتها في المعاهدة عام 2023، ومن المقرر أن ينتهي العمل بها بالكامل في فبراير 2026، مما يهدد بفتح الباب أمام سباق تسلح جديد وغير مقيد لأول مرة منذ عقود. وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن بلاده تحافظ على نهج مسؤول تجاه الاستقرار الاستراتيجي، مشيراً إلى تعقيدات الوضع الراهن.
تصريحات تعكس الرغبة في الحوار
من جانبه، عبر المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس الأمريكي، السيناتور جيه دي فانس، عن استعداد الولايات المتحدة للعمل ليس فقط مع روسيا، بل أيضاً مع الصين والقوى الأخرى، لتقليل عدد الأسلحة النووية. وقال فانس: “إن بلاده ستعمل مع الصين وروسيا وأي دولة أخرى، سواء كانت صديقة أو منافسة، لمحاولة تقليل عدد الأسلحة النووية الموجودة في العالم”، معتبراً أن ذلك هو “أهم شيء يمكن فعله من أجل السلام والاستقرار”. ويشير إدراج الصين في هذا الحوار إلى التحول في المشهد الاستراتيجي العالمي، حيث يُنظر إلى الترسانة النووية الصينية المتنامية كعامل رئيسي في أي مفاوضات مستقبلية للحد من التسلح.
التأثير الدولي والآفاق المستقبلية
تحمل هذه التصريحات أهمية دولية بالغة، فهي تبعث برسالة طمأنة نسبية لحلفاء البلدين والمجتمع الدولي بأن الحوار حول منع كارثة نووية لا يزال ممكناً. إن الحفاظ على الاستقرار النووي لا يقتصر تأثيره على واشنطن وموسكو، بل يمتد ليشمل منظومة الأمن العالمي بأكملها، بما في ذلك جهود منع الانتشار النووي. يبقى التحدي الأكبر الآن هو ترجمة هذه النوايا الحسنة إلى إجراءات ملموسة، والبدء في مفاوضات جادة لإيجاد إطار جديد للحد من التسلح يخلف معاهدة “نيو ستارت”، ويأخذ في الاعتبار القوى النووية الصاعدة والتكنولوجيات العسكرية الجديدة.




