أخبار العالم

معاهدة نيو ستارت: تداعيات نهاية آخر اتفاق نووي بين روسيا وأمريكا

تحذير من الكرملين: العالم في خطر متزايد

دق الكرملين ناقوس الخطر محذراً من “الخطورة البالغة” التي تحيط بالأمن العالمي مع تعليق روسيا مشاركتها في معاهدة “نيو ستارت”، آخر اتفاقية قائمة للحد من الأسلحة النووية بينها وبين الولايات المتحدة. وأكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن غياب إطار قانوني ملزم يضبط أكبر ترسانتين نوويتين في العالم يضع الجميع في موقف غير مسبوق من انعدام اليقين. وقال بيسكوف في تصريحات صحفية: “للمرة الأولى، ستصبح الولايات المتحدة وروسيا، اللتان تملكان أكبر ترسانتين نوويتين، من دون أية وثيقة أساسية تحدّ من هاتين الترسانتين وتضبطهما”. ووصف هذا الوضع بأنه “أمر بالغ السوء لأمن العالم”، مشيراً إلى أن غياب الشفافية والقيود قد يفتح الباب أمام سباق تسلح لا يمكن التنبؤ بعواقبه.

معاهدة نيو ستارت: آخر ركائز الاستقرار النووي

تمثل معاهدة “نيو ستارت”، التي وُقعت في براغ عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في 2011، تتويجاً لعقود من الجهود الدبلوماسية للحد من خطر الحرب النووية. ونصت المعاهدة على تحديد سقف لعدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة عند 1550 رأساً لكل من البلدين، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 30% تقريباً عن السقف المحدد في معاهدة سابقة عام 2002. كما حددت المعاهدة العدد الأقصى لآليات الإطلاق الاستراتيجية (الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة) بـ 800 آلية، منها 700 فقط يمكن نشرها في أي وقت. والأهم من ذلك، أنها أرست نظاماً صارماً للتحقق والتفتيش المتبادل، مما وفر شفافية حيوية ومنع سوء التقدير بين القوتين النوويتين.

خلفية تاريخية: من الحرب الباردة إلى انعدام الثقة

لم تكن “نيو ستارت” وليدة لحظتها، بل جاءت استكمالاً لسلسلة طويلة من معاهدات الحد من التسلح التي بدأت خلال ذروة الحرب الباردة، مثل معاهدات “سالت” (SALT) و”ستارت 1″ (START I). كانت هذه الاتفاقيات حجر الزاوية في بنية الأمن العالمي، حيث ساهمت في بناء الثقة وتقليل التوترات ومنع سباقات التسلح المكلفة والخطيرة. ومع ذلك، شهد العقدان الماضيان تآكلاً تدريجياً لهذه البنية، بدءاً بانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM) عام 2002، وانهيار معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى (INF) في 2019، وصولاً إلى تعليق روسيا لمشاركتها في “نيو ستارت” في فبراير 2023، متهمة واشنطن بعرقلة عمليات التفتيش في ظل التوترات الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.

التأثير المتوقع: سباق تسلح عالمي جديد

إن غياب معاهدة “نيو ستارت”، التي من المقرر أن تنتهي صلاحيتها نهائياً في فبراير 2026، يهدد بإطلاق سباق تسلح ثلاثي الأبعاد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. فبدون قيود، قد تسعى كل دولة إلى تحديث وتوسيع ترسانتها النووية لمواكبة التهديدات المتصورة من الأخرى، مما يخلق حلقة مفرغة من انعدام الأمن. على الصعيد الدولي، يقوض هذا الوضع جهود منع الانتشار النووي ويضعف نظام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT). إقليمياً، ستشعر الدول الأوروبية بتهديد مباشر، كما سيزيد من حالة عدم الاستقرار في مناطق التوتر حول العالم. ومع توقف آليات التحقق، يرتفع خطر الحسابات الخاطئة والصدام العسكري المباشر بين القوى النووية إلى أعلى مستوياته منذ عقود.

زر الذهاب إلى الأعلى