أخبار العالم

خلافات الوقود الأحفوري تعرقل ملخص تقرير الأمم المتحدة للبيئة

في حدث غير مسبوق هز أروقة الدبلوماسية البيئية الدولية، كشف برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) عن تقييمه العلمي الأضخم والأكثر شمولاً حول حالة التدهور البيئي العالمي، والمعروف باسم “توقعات البيئة العالمية” (GEO). ومع ذلك، وللمرة الأولى منذ انطلاق هذا التقرير الدوري، فشلت الدول الأعضاء في التوصل إلى توافق لإصدار “ملخص لصناع القرار”، وهو الوثيقة السياسية الأهم التي تترجم العلم إلى سياسات.

ويعود هذا التعثر الاستثنائي إلى خلافات جيوسياسية حادة وعميقة بين الدول الأعضاء حول الصياغات اللغوية المتعلقة بمستقبل الوقود الأحفوري، مما حال دون التوصل إلى الإجماع المطلوب لإقرار الوثيقة النهائية، في مؤشر مقلق حول مستقبل المفاوضات المناخية.

سابقة لم تحدث منذ عام 1997

منذ إطلاق النسخة الأولى من تقرير “توقعات البيئة العالمية” في عام 1997، دأبت الأمم المتحدة على إرفاق تقاريرها العلمية الضخمة بملخص تنفيذي موجه خصيصاً لصناع القرار. هذه الوثيقة ليست مجرد ملخص عادي، بل هي نص يتم التفاوض عليه بدقة متناهية (سطراً بسطر) بين الوفود الحكومية والعلماء، لضمان تحويل الحقائق العلمية المعقدة إلى لغة واضحة وقابلة للتنفيذ ضمن التشريعات الوطنية.

وفي تعليقها على هذا الموقف، وصفت إنجر أندرسن، المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، الأمر بأنه “مؤسف للغاية”. وأكدت في تصريحات صحفية حازمة أن مصداقية التقرير العلمي تظل هي الأساس فوق كل اعتبار سياسي، مشددة على أن “العلم لا يمكن التفاوض عليه”، وأن الحقائق التي رصدها الخبراء حول تدهور الكوكب تظل ثابتة بغض النظر عن الخلافات السياسية حول صياغة الملخص.

الأزمات الكوكبية الثلاث وأهمية التقرير

يكتسب تقرير (GEO) أهميته الاستراتيجية من كونه البوصلة التي توجه السياسات البيئية الدولية للسنوات القادمة. ويشارك في إعداده مئات العلماء والخبراء الدوليين لتقديم تحليل شامل لما تصطلح الأمم المتحدة على تسميته بـ “الأزمات الكوكبية الثلاث”:

  • تغير المناخ المتسارع.
  • فقدان التنوع البيولوجي وتدهور الطبيعة.
  • التلوث والنفايات بجميع أشكالها.

إن غياب الملخص التنفيذي لهذا التقرير يعني فقدان حلقة الوصل الحيوية بين المجتمع العلمي والقيادات السياسية، مما قد يضعف من قدرة الدول النامية والمتقدمة على حد سواء على اتخاذ قرارات تشريعية وتمويلية مبنية على أحدث البيانات العلمية الموثقة، خاصة في ظل الحاجة الملحة للتحرك الفوري.

تحديات التوافق الدولي ومستقبل العمل المناخي

بموجب قواعد الأمم المتحدة الصارمة، لا يمكن إصدار الملخص إلا بالإجماع الكامل، لضمان أن يمثل فهماً جماعياً ملزماً للدول. ولكن خلال الاجتماع الذي استمر خمسة أيام في أواخر شهر أكتوبر الماضي، أدت الانقسامات حول مصادر الطاقة التقليدية إلى طريق مسدود. حيث باتت بعض الدول تعرقل بشكل منهجي الجهود الرامية لتضمين لغة حازمة لمواجهة التلوث الناجم عن استخدام الوقود الأحفوري والمنتجات البلاستيكية.

ويرى مراقبون ومحللون أن هذا الفشل يلقي بظلاله القاتمة على المفاوضات المناخية المستقبلية، بما في ذلك مؤتمرات الأطراف (COP). فالصراع المستمر بين الدول المنتجة للنفط والدول الأكثر تضرراً من التغير المناخي حول مصطلحات مثل “التخلص التدريجي” (Phase-out) أو “التحول” (Transition away) عن الوقود الأحفوري، بات يهدد بتباطؤ وتيرة العمل المناخي العالمي في وقت حرج للغاية، مما يضع النظام الدولي المتعدد الأطراف أمام اختبار حقيقي لقدرته على تجاوز المصالح الاقتصادية الضيقة لصالح إنقاذ الكوكب.

زر الذهاب إلى الأعلى