غالوب: تعاطف أمريكي مع الفلسطينيين يتجاوز الإسرائيليين

كشف استطلاع رأي أجرته مؤسسة “غالوب” المرموقة عن تحول تاريخي في توجهات الرأي العام الأمريكي، حيث أظهرت النتائج أن نسبة الأمريكيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين قد تجاوزت لأول مرة منذ عقود نظيرتها المتعاطفة مع الإسرائيليين. هذه النتيجة تمثل نقطة تحول بارزة في المشهد السياسي والاجتماعي الأمريكي، وتلقي بظلالها على الديناميكيات الإقليمية والدولية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وفقًا للاستطلاع الأخير، الذي شمل عينة من ألف شخص وبلغ هامش الخطأ فيه 4%، أعرب 41% من المشاركين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقابل 36% أبدوا تعاطفهم مع الإسرائيليين. هذا التغيير الجذري يأتي بعد فترة وجيزة من اندلاع حرب غزة في أعقاب هجوم “حماس” في 7 أكتوبر 2023، حيث كانت الأرقام تشير إلى تعاطف 54% من الأمريكيين مع الإسرائيليين مقابل 31% مع الفلسطينيين. هذا التباين الصارخ في غضون أشهر قليلة يسلط الضوء على سرعة وتأثير الأحداث الجارية على الرأي العام.
لطالما كانت الولايات المتحدة داعمًا رئيسيًا لإسرائيل، وهو دعم متجذر في عقود من العلاقات الاستراتيجية والثقافية والسياسية. تاريخيًا، أظهرت استطلاعات “غالوب” ميلًا ثابتًا للتعاطف الأمريكي مع إسرائيل، خاصة بعد تأسيس الدولة في عام 1948 وفي سياق الحرب الباردة حيث كانت إسرائيل تعتبر حليفًا رئيسيًا للولايات المتحدة في منطقة مضطربة. ومع ذلك، بدأت هذه الديناميكية تتغير تدريجيًا على مر السنين، مدفوعة بتغطية إعلامية أوسع للصراع، وتزايد الوعي بالقضايا الإنسانية، وتغير التركيبة الديموغرافية للولايات المتحدة.
يشير الاستطلاع بوضوح إلى أن الديمقراطيين كانوا المحرك الرئيسي لهذا التحول. فقد أفاد ما يقرب من ثلث الديمقراطيين بأنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقارنة بنسبة أقل بكثير من الجمهوريين والمستقلين. هذا التباين الحزبي يعكس الانقسامات المتزايدة داخل المشهد السياسي الأمريكي حول قضايا الشرق الأوسط، وقد يؤثر على السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية. فمع تزايد الضغوط من القاعدة الديمقراطية، قد يجد صناع القرار أنفسهم أمام تحدي إعادة تقييم مقاربتهم للصراع.
تداعيات هذا التحول في الرأي العام الأمريكي قد تكون واسعة النطاق. على الصعيد المحلي، يمكن أن يؤدي إلى نقاشات أكثر حدة داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية حول المساعدات لإسرائيل ودور الولايات المتحدة في عملية السلام. قد يضطر المرشحون في الانتخابات القادمة إلى تبني مواقف أكثر توازنًا أو حتى نقدية تجاه السياسات الإسرائيلية لتلبية تطلعات قواعدهم الانتخابية المتغيرة، خاصة بين الشباب والتقدميين.
إقليميًا، قد يُنظر إلى هذا التحول في التعاطف الأمريكي كدفعة معنوية للفلسطينيين وداعميهم، وقد يزيد من الضغط على إسرائيل على الساحة الدولية. يمكن أن يشجع الدول الأخرى على إعادة النظر في مواقفها أو تكثيف جهودها الدبلوماسية لإيجاد حلول عادلة للصراع. دول المنطقة، سواء كانت مؤيدة أو معارضة للقضية الفلسطينية، ستراقب عن كثب كيف ستترجم هذه المشاعر العامة إلى سياسات فعلية.
على المستوى الدولي، يعكس هذا الاستطلاع اتجاهًا عالميًا متزايدًا نحو التعاطف مع القضية الفلسطينية، خاصة في ظل التغطية الإعلامية المكثفة للأحداث في غزة. يمكن أن يؤثر ذلك على مكانة الولايات المتحدة كـ “وسيط نزيه” في الصراع، ويدفعها نحو تبني مواقف أكثر حيادية أو ضغطًا على جميع الأطراف. إن فهم هذه التحولات في الرأي العام أمر بالغ الأهمية للمحللين وصناع السياسات على حد سواء، حيث أنها قد تشكل ملامح المستقبل للعلاقات الدولية في الشرق الأوسط وخارجه.




