قصة تأسيس الإذاعة السعودية بأمر الملك عبدالعزيز | تاريخ الإعلام
نظرة تاريخية: الإعلام في مرحلة التأسيس
في منتصف القرن العشرين، ومع بزوغ فجر الدولة السعودية الحديثة، أدرك الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- بحكمته ورؤيته الثاقبة أهمية وسائل الإعلام الحديثة في بناء الأمم وتوحيد الشعوب. في تلك الحقبة، كان الراديو يمثل ثورة تقنية، فهو أسرع وسيلة لنشر الأخبار والمعلومات والوصول إلى أوسع شريحة من الناس عبر مساحات جغرافية شاسعة، وهو ما كان يمثل تحدياً كبيراً في المملكة المترامية الأطراف. من هذا المنطلق، جاء القرار التاريخي بتأسيس نظام إذاعي وطني ليكون صوت الدولة الرسمي وجسراً للتواصل مع المواطنين في كل أنحاء البلاد.
مرسوم ملكي يؤسس للإعلام الحديث
في خطوة استراتيجية دشنت عهداً جديداً للإعلام في المملكة، أصدر الملك عبدالعزيز مرسوماً ملكياً في 23 رمضان 1368هـ (الموافق 19 يوليو 1949م)، يقضي بتأسيس أول نظام إذاعي رسمي. لم يكن المرسوم مجرد إعلان عن نية، بل كان وثيقة تأسيسية متكاملة حددت بدقة ملامح هذا الجهاز الإعلامي الوليد؛ حيث نص على آلية اختيار مدير الإذاعة، ومسؤولياته، ومقرها الرئيسي في مدينة جدة، كما وضع إطاراً عاماً للسياسة التحريرية والمحتوى الذي سيُذاع عبر أثيرها، بالإضافة إلى تنظيم شؤونها الإدارية والبرامجية. شكل هذا المرسوم اللبنة الأولى في صرح الإعلام السعودي المنظم.
انطلاقة تاريخية في يوم عرفة
لم يكن اختيار يوم انطلاق البث الإذاعي الأول عشوائياً، بل حمل دلالات رمزية عميقة. ففي يوم عرفة، التاسع من ذي الحجة عام 1368هـ (الموافق 1 أكتوبر 1949م)، انطلق صوت “إذاعة المملكة العربية السعودية” لأول مرة من جدة. ارتبط هذا اليوم المقدس في وجدان المسلمين ببدء رسالة إعلامية جديدة. استُهِل البث بآيات من الذكر الحكيم تلاها الشيخ طه الفشني، تلتها كلمة للمشرف على الإذاعة آنذاك، عبدالرحمن نصر. وكان الحدث الأبرز هو الكلمة التي وجهها الملك عبدالعزيز إلى حجاج بيت الله الحرام والعالم الإسلامي، والتي ألقاها نيابة عنه ابنه الأمير فيصل (الملك لاحقاً)، مهنئاً الحجيج ومرحباً بهم في الأراضي المقدسة، ومؤكداً على رسالة المملكة الإسلامية والعربية.
تطور المحتوى ومراحل النمو
في بداياتها، ركزت الإذاعة السعودية على محتوى محدد يخدم أهداف الدولة التأسيسية، حيث ضمت برامجها الأولى المواد الدينية، والأدبية، والثقافية، ونشرات الأخبار. وخلت برامجها في عهد الملك عبدالعزيز من المنوعات الفنية والتمثيليات. ومع مرور الوقت، بدأت الإذاعة تتطور بشكل تدريجي؛ فبعد أن كانت تقتصر على بث موسيقى الجيش، أُضيفت الأغاني الشعبية بأصوات رجالية بعد عام 1375هـ. كما شهدت الإذاعة تطوراً إدارياً وهندسياً، فبعد أن كانت تابعة لمديرية البرق والبريد، استقلت بإدارة هندسية خاصة بها في عام 1372هـ، وبدأت في نقل شعائر الأذان وصلاة الجمعة من الحرم المكي الشريف، مما عزز من مكانتها الدينية لدى المستمعين في الداخل والخارج.
التوسع والتأثير الإقليمي والدولي
لم يقتصر طموح الإذاعة على البث المحلي، بل امتد ليشمل العالم. بدأت الإذاعة في بث برامج موجهة إلى شعوب العالم بلغات مختلفة، لتكون وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية، وتعليم اللغة العربية، وشرح مواقف المملكة تجاه القضايا العالمية. وشهدت الإذاعة توسعاً داخلياً مهماً مع بدء البث من إذاعة الرياض في غرة رمضان عام 1384هـ (3 يناير 1965م). وفي عام 1979، تم توحيد البث من محطتي جدة والرياض تحت اسم “إذاعة المملكة العربية السعودية”، قبل أن يتم فصلهما مجدداً عام 1983 لتقديم برامج متنوعة تلبي أذواق المستمعين في مختلف المناطق. وبهذا، لعبت الإذاعة دوراً محورياً في التنمية الثقافية والاجتماعية، ومهدت الطريق أمام الأجيال لاستقبال مراحل التطور اللاحقة في المملكة.
الإذاعة في السياق العالمي: اليوم العالمي للإذاعة
يحتفي العالم في 13 فبراير من كل عام باليوم العالمي للإذاعة، وهو التاريخ الذي يتزامن مع ذكرى إطلاق إذاعة الأمم المتحدة عام 1946. وقد جاء إقرار هذا اليوم من قبل منظمة اليونسكو عام 2011، ثم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2012، تقديراً للدور الذي يلعبه الراديو كوسيلة إعلام قوية، منخفضة التكلفة، وواسعة الانتشار، خاصة في الوصول إلى المجتمعات النائية والفئات الضعيفة. ويؤكد هذا الاحتفال العالمي على الرؤية السبّاقة التي امتلكها الملك عبدالعزيز قبل عقود، حين أدرك قوة هذا الوسيط في التواصل والتثقيف وبناء الدولة.




