زيارة كوشنر وويتكوف: تنسيق أمريكي-إسرائيلي حول إيران

كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن زيارة مرتقبة وحساسة قام بها المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومستشاره البارز آنذاك، إلى تل أبيب. جاءت هذه الزيارة في توقيت بالغ الأهمية، وسط تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما وُصف حينها بـ “الحرب الخفية” أو “حرب الظلال” الدائرة بين الأطراف، والتي تستهدف منشآت ومصالح استراتيجية.
تاريخياً، لطالما شكلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية بالشرق الأوسط، مرتكزة على مصالح استراتيجية مشتركة، أبرزها ضمان الأمن الإقليمي ومواجهة التهديدات المشتركة. وفي هذا السياق، برزت إيران كقضية محورية، خاصة بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، وتبنيها سياسة “الضغط الأقصى”. هذه السياسة، التي هدفت إلى خنق الاقتصاد الإيراني وإجباره على إعادة التفاوض بشأن برنامجه النووي والصاروخي ونفوذه الإقليمي، أدت إلى تصعيد كبير في المنطقة، وشملت عقوبات اقتصادية مشددة وعمليات سرية متبادلة.
ووفقاً لمسؤول أمريكي رفيع المستوى نقلت عنه القناة 12 الإسرائيلية، فإن الزيارة جاءت في لحظة حرجة للغاية. فقد أبدت الإدارة الأمريكية حينها انزعاجها من حجم ونطاق الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نفطية إيرانية أو سفناً مرتبطة بها. هذا الانزعاج لم يكن بالضرورة رفضاً للمواجهة مع إيران، بل كان يتعلق بالخشية من أن تؤدي هذه العمليات إلى تصعيد غير محسوب قد يجر المنطقة إلى صراع أوسع نطاقاً، وهو ما كانت واشنطن تسعى لتجنبه مع اقتراب نهاية ولاية ترامب أو في بداية إدارة جديدة، مع الحفاظ على خيارات الضغط الدبلوماسي والعسكري.
لذا، يُعتقد أن الزيارة كانت تهدف بشكل أساسي إلى تنسيق المواقف بين واشنطن وتل أبيب، ومناقشة حدود التصعيد العسكري المسموح به، وسبل إدارة التوترات مع إيران. كما طرحت إمكانية إعادة فتح قنوات دبلوماسية جزئية أو البحث عن آليات لتهدئة الوضع، في محاولة لاحتواء “حرب الظلال” ومنعها من التحول إلى مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة. كان كوشنر، بصفته مهندس اتفاقيات أبراهام ومستشاراً مقرباً للرئيس ترامب، يتمتع بنفوذ كبير في صياغة سياسة الإدارة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، مما جعل وجوده في هذه الزيارة أمراً ذا دلالة عميقة.
إن تداعيات أي تصعيد عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط تتجاوز حدود الدول المعنية لتشمل المنطقة بأسرها والعالم. فمن شأن مثل هذا الصراع أن يهدد استقرار الملاحة البحرية في مضيق هرمز وباب المندب، وهما شريانان حيويان لتجارة النفط العالمية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة واضطراب الأسواق الدولية. إقليمياً، يمكن أن يؤجج الصراع الوكلاء في دول مثل سوريا ولبنان والعراق واليمن، ويزيد من تعقيد الأزمات القائمة. دول الخليج العربي، التي تربطها علاقات معقدة مع كل من إيران والولايات المتحدة، ستكون في صلب أي تداعيات، مما يجعل جهود التنسيق والتهدئة بين الحلفاء أمراً حيوياً للحفاظ على توازن القوى الهش في المنطقة.
تُبرز هذه الزيارة، سواء كانت في الماضي أو مجرد تقرير عن نية، الديناميكيات المعقدة للعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية في مواجهة التحديات الإقليمية، وخاصة الملف الإيراني. إنها تؤكد على الحاجة المستمرة للتنسيق الاستراتيجي، حتى في ظل وجود خلافات تكتيكية، لضمان تحقيق الأهداف المشتركة مع تجنب المخاطر الجيوسياسية الكبرى. وتبقى مسألة احتواء النفوذ الإيراني وضمان أمن إسرائيل من القضايا المحورية التي تتطلب مقاربة متوازنة ودبلوماسية حذرة.




