الشجار أمام الأطفال: جريمة تربوية تهدد صحتهم النفسية
حذّر الدكتور خالد الحليبي، مدير عام جمعية التنمية الأسرية بالأحساء، من أن الخلافات الزوجية التي تقع أمام الأطفال تُمثل «جريمة تربوية» حقيقية، لما لها من تداعيات خطيرة على استقرارهم النفسي وتكوينهم العاطفي. وأكد الحليبي أن انهيار الكيان الأسري ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكم سلوكيات يومية خاطئة يُستهان بها، والتي تحوّل المنزل تدريجياً من ملاذ آمن إلى بيئة طاردة تفتقر إلى المودة والسكينة.
السياق العام: تحديات الأسرة المعاصرة
في ظل تسارع وتيرة الحياة العصرية وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، تواجه الأسر تحديات متزايدة للحفاظ على تماسكها. وقد أدى التحول من نمط الأسرة الممتدة، التي كانت توفر شبكة دعم اجتماعي وعاطفي، إلى الأسرة النواة إلى زيادة العبء على الوالدين. هذا التغير يجعل إدارة الخلافات الزوجية بحكمة وبعيداً عن أعين الأبناء أمراً أكثر أهمية من أي وقت مضى، حيث إن غياب الدعم الأسري الموسع قد يفاقم من أثر هذه النزاعات على الأطفال الذين يصبحون المتلقي المباشر والوحيد لتوترات والديهم.
سلوكيات هدّامة تتسلل إلى البيوت
أوضح الدكتور الحليبي أن الغضب المستمر والنقد الدائم يتصدران قائمة السلوكيات المدمرة، فهما يغتالان لغة الحوار ويؤسسان لقطيعة عاطفية بين أفراد الأسرة. كما انتقد بشدة سلوك مقارنة الأبناء بغيرهم، معتبراً إياه أداة لهدم ثقة الطفل بنفسه وزرع مشاعر الحقد والدونية في نفسه. وأشار إلى خطورة «العزلة التقنية»، حيث ينشغل الآباء والأمهات بهواتفهم الذكية حتى في أوقات التجمعات العائلية، مما يفرّغ التواصل من معناه الحقيقي ويشعر الأبناء بالإهمال والتهميش.
الأثر النفسي العميق على الأطفال
إن مشاهدة الأطفال للخلافات المستمرة بين والديهم تترك ندوباً نفسية عميقة قد لا تلتئم بسهولة. تؤكد الدراسات النفسية العالمية أن الأطفال الذين ينشأون في بيئات مشحونة بالصراع هم أكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق، والاكتئاب، وصعوبات في التعلم، ومشاكل سلوكية. يميل الطفل إلى لوم نفسه على شجار والديه، مما يولد لديه شعوراً بالذنب وعدم الأمان، ويهدم صورتهما كقدوة ومصدر للحماية. هذا الشعور بفقدان الأمان قد يؤثر سلباً على علاقاته الاجتماعية وقدرته على بناء علاقات صحية ومستقرة في المستقبل.
أهمية الحدث وتأثيره على المجتمع
على المستوى المحلي والإقليمي، تأتي هذه التحذيرات متوافقة مع التوجهات المجتمعية الرامية إلى تعزيز الاستقرار الأسري كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، كما في رؤية المملكة 2030 التي تولي أهمية كبرى لجودة الحياة والرفاه الاجتماعي. فالأسرة المستقرة هي النواة لمجتمع سليم ومنتج. وعندما تضعف هذه النواة بسبب الخلافات، فإن تأثير ذلك يمتد إلى المجتمع ككل من خلال زيادة المشكلات السلوكية والاجتماعية بين الشباب. لذلك، فإن دعوة الحليبي لتبني الحوار الإيجابي وحل النزاعات بوعي لا تخدم الأسرة فحسب، بل تخدم مستقبل المجتمع بأكمله.
توصيات لبناء بيئة أسرية آمنة
واختتم الدكتور الحليبي حديثه بالتشديد على أن سوء الظن هو المعول الذي يهدم جدار الثقة، داعياً إلى ضرورة الحفاظ على خصوصية الأسرة وعدم إقحام أطراف خارجية في شؤونها الخاصة. كما أكد على أهمية العدل في معاملة الأبناء، وتفويض مهام الخدمة المنزلية للعاملات دون التنازل عن الدور التربوي الأصيل للوالدين. ودعا الأسر إلى تبني لغة الحوار الشفاف، وترسيخ قيم المودة والرحمة لضمان بيئة منزلية صحية تصمد أمام تحديات الحياة.




