البنتاغون: صراع أمريكي إيراني قد يستمر 100 يوم | تحليل وتوقعات

كشفت تقارير استخباراتية حديثة صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن تقديرات مقلقة تشير إلى أن أي مواجهة عسكرية محتملة مع إيران قد تتجاوز حاجز الـ 100 يوم، وقد تمتد حتى شهر سبتمبر/أيلول المقبل. هذه التوقعات، التي نقلها موقع “بوليتيكو” الإخباري المرموق، لا تؤكد فقط على جدية الاستعدادات الأمريكية لأي تصعيد مستقبلي في المنطقة، بل تسلط الضوء أيضاً على الطبيعة المعقدة والممتدة لأي صراع محتمل، مما يستدعي تعزيزاً كبيراً للدعم الاستخباراتي والعسكري لعمليات مشتركة محتملة.
ووفقاً للمعلومات التي حصل عليها “بوليتيكو”، فقد أصدرت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) طلباً رسمياً إلى البنتاغون، يطالب بإرسال تعزيزات من ضباط الاستخبارات العسكرية إلى مقرها الرئيسي في تامبا بولاية فلوريدا. يهدف هذا التعزيز إلى دعم العمليات الجوية والاستخباراتية لمدة لا تقل عن 100 يوم، وربما حتى سبتمبر، وهو ما يعكس تقييماً أمريكياً بأن أي مواجهة قد تكون طويلة الأمد وتتطلب موارد بشرية ولوجستية هائلة، مما يؤكد على حجم التحدي الذي قد تواجهه القوات الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي طويل ومعقد من التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، يعود بجذوره إلى الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن الأمريكية التي تلتها. منذ ذلك الحين، شهدت العلاقة بين البلدين فترات من المواجهة المباشرة وغير المباشرة، وتخللتها عقوبات اقتصادية متبادلة وتدخلات إقليمية. تصاعدت حدة التوترات بشكل خاص بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2018، وتبني إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب سياسة “الضغط الأقصى” على طهران. هذه السياسة شملت فرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على قطاعات حيوية مثل النفط والبنوك، بالإضافة إلى تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج، بهدف كبح برنامج إيران النووي والصاروخي، وتقويض نفوذها الإقليمي المتزايد عبر وكلائها في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما أدى إلى سلسلة من الحوادث الأمنية في المنطقة.
العلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران تتشابك أيضاً بشكل وثيق مع مصالح إسرائيل الأمنية. فإسرائيل تعتبر البرنامج النووي الإيراني، وتطوير طهران للصواريخ الباليستية، وتوسع نفوذها عبر “محور المقاومة” في المنطقة، تهديداً وجودياً لأمنها القومي. وقد نفذت إسرائيل عمليات عسكرية متكررة ضد أهداف إيرانية أو مدعومة من إيران في سوريا ولبنان، بهدف منع ترسيخ الوجود العسكري الإيراني ونقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله. الإشارة إلى “العمليات المشتركة مع إسرائيل” في تقرير البنتاغون تبرز عمق التنسيق الأمني والاستخباراتي بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة ما يعتبرانه تهديداً إيرانياً مشتركاً، وتوحي بأن أي تصعيد قد يشمل مشاركة إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي.
إن استمرار الصراع المحتمل لأكثر من 100 يوم يحمل في طياته تداعيات إقليمية ودولية خطيرة وبعيدة المدى. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج بأكملها، التي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات النفط والغاز العالمية. قد تتأثر دول الجوار مثل العراق والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشكل مباشر، سواء من خلال العمليات العسكرية أو من خلال التأثير على الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية. هذا السيناريو قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، ونزوح جماعي للسكان، وتصاعد الأزمات الإنسانية في منطقة تعاني أصلاً من عدم الاستقرار.
أما على الصعيد الدولي، فإن حرباً طويلة الأمد في منطقة الخليج ستؤدي حتماً إلى ارتفاع حاد وغير مسبوق في أسعار النفط العالمية، مما يهدد الاقتصاد العالمي بالركود والتضخم. كما أنها ستضع تحديات دبلوماسية وسياسية كبرى أمام القوى العالمية، بما في ذلك الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، التي تسعى للحفاظ على الاستقرار في المنطقة ولها مصالح اقتصادية وسياسية مع كل من واشنطن وطهران. هذه القوى قد تجد نفسها مضطرة للتدخل الدبلوماسي المكثف أو حتى الوساطة لتجنب تفاقم الأزمة. علاوة على ذلك، فإن أي صراع واسع النطاق قد يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي، ويزيد من مخاطر انتشار الأسلحة، ويغير موازين القوى الجيوسياسية على مستوى العالم. هذه التوقعات الصادرة عن البنتاغون ليست مجرد تكهنات، بل هي مؤشر واضح على أن الإدارة الأمريكية تأخذ التهديد على محمل الجد وتستعد لسيناريوهات متعددة، مما يستدعي يقظة دولية وجهوداً دبلوماسية مكثفة وموحدة لتجنب الانزلاق إلى صراع أوسع نطاقاً قد تكون عواقبه كارثية على الجميع.




