نهاية معاهدة نيو ستارت: روسيا وأمريكا في مواجهة نووية مفتوحة
في خطوة تصعيدية تزيد من حالة عدم اليقين في المشهد الأمني العالمي، أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو لم تعد تعتبر نفسها ملزمة بمعاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، والتي كانت تمثل آخر اتفاقية قائمة بين القوتين النوويتين العظميين. ويأتي هذا الإعلان ليرسم نهاية حقبة من التعاون في مجال الحد من التسلح استمرت لعقود، ويثير مخاوف جدية من انطلاق سباق تسلح جديد لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
وقالت الوزارة في بيان رسمي: “نفترض أن أطراف معاهدة نيو ستارت لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار المعاهدة”. ويمثل هذا التصريح تتويجًا لتدهور العلاقات بين موسكو وواشنطن، والذي تسارع بشكل كبير منذ بدء الحرب في أوكرانيا، حيث كانت روسيا قد أعلنت في فبراير 2023 تعليق مشاركتها في المعاهدة، معتبرة أنه من المستحيل السماح بعمليات تفتيش أمريكية لمنشآتها النووية في ظل دعم واشنطن لكييف.
خلفية تاريخية لمعاهدة نيو ستارت
تم توقيع معاهدة “نيو ستارت” (معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية الجديدة) في عام 2010 بين الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011. كانت المعاهدة تهدف إلى وضع قيود على ترسانتي البلدين النوويتين، حيث نصت على ألا يتجاوز عدد الرؤوس الحربية النووية المنشورة لدى كل طرف 1,550 رأسًا، وألا يزيد عدد آليات الإطلاق الاستراتيجية (مثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة) عن 700 آلية.
وقد شكلت هذه المعاهدة حجر الزاوية في بنية الأمن العالمي، كونها تضمنت آليات تحقق صارمة، بما في ذلك عمليات التفتيش المتبادلة وتبادل البيانات، مما وفر شفافية وثقة متبادلة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم. وفي عام 2021، تم تمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات إضافية باتفاق بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين، في خطوة لاقت ترحيبًا دوليًا واسعًا.
التأثيرات المتوقعة على الأمن العالمي
إن انهيار معاهدة “نيو ستارت” يفتح الباب على مصراعيه أمام مستقبل غامض ومحفوف بالمخاطر. فعلى الصعيد الدولي، يمثل غياب أي قيود على الترسانات النووية الروسية والأمريكية تهديدًا مباشرًا للاستقرار العالمي. فبدون آليات التحقق والشفافية، يزداد خطر سوء التقدير والحسابات الخاطئة، مما قد يؤدي إلى سباق تسلح محموم لا يقتصر فقط على واشنطن وموسكو، بل قد يشمل قوى نووية أخرى مثل الصين التي تعمل على تحديث وتوسيع ترسانتها بسرعة.
إقليميًا، قد يشجع هذا الفراغ الأمني دولًا أخرى على السعي لامتلاك أسلحة نووية لضمان أمنها، مما يقوض بشكل خطير معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. أما على المستوى المحلي، فقد تضطر كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى تخصيص ميزانيات ضخمة لتطوير وتحديث أنظمتهما النووية، وهو ما سيأتي على حساب قطاعات حيوية أخرى. إن نهاية هذه المعاهدة لا تمثل مجرد انهيار لاتفاقية، بل هي مؤشر على تحول جذري في النظام الأمني العالمي نحو مزيد من المنافسة والمواجهة.




